وفي هذا البيان إشارة إلى أن سبب تكذيب المكذبين فتنتهم بالحياة الدّنيا وزينتها ، واستبعاد الدّار الآخرة وجنّة النعيم فيها عن أذهانهم ، فقال تعالى :
. . . وَلَدارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا أَ فَلا تَعْقِلُونَ .
هنا التفت اللّه عزّ وجلّ إليهم في البيان فقال لهم :
أَ فَلا تَعْقِلُونَ ؟ ! .
أي : أليس لديكم عقل علميّ ولا عقل إرادي يجعلكم تضبطون نفوسكم عن اتّباع الأهواء والشهوات وسائر زينات الحياة الدّنيا ، ناظرين إلى الآخرة ، وما فيها من نعيم مقيم في جنّات النعيم ، وما فيها من عذاب أليم خالد في دار العذاب النار .
وبعد هذا أبان اللّه عزّ وجلّ ، أنّ نصر رسله وعقاب مكذّبيهم لم يتحقّق في سنّة اللّه إلّا بعد إمهال طويل للكافرين الّذين كذّبوا رسل ربّهم ، وأعلنوا عداءهم لهم ولدعوتهم .
وهذا الإمهال الطويل جعل الرّسل يستيئسون ، أي : ييأسون يأسا شديدا من نصر اللّه لهم في الدّنيا ، وإنزال العقاب في المجرمين من أقوامهم .
فلمّا وصلوا بحسب طبائعهم البشريّة إلى هذا اليأس الشديد ، ظنّوا ظنّا توهّميّا ضعيفا أنّ أخبار الإنذار بالعقاب المعجّل أخبار تهديديّة ، وليست وعدا لا بدّ من تحقيقه ، جاءهم نصر اللّه ، فأهلك اللّه بحكمته المجرمين من أقوامهم ، ونجّى من شاء أن ينجيه من أقوامهم ، وهم المؤمنون ، والّذين لم يصلوا إلى دركة اليأس من إيمانهم وقبولهم دعوة الحقّ ، فقال تعالى :
حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جاءَهُمْ نَصْرُنا فَنُجِّيَ مَنْ نَشاءُ وَلا يُرَدُّ بَأْسُنا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ
( 110 ) .