تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 244

مساهمون:

ص٢٤٤
أمّا الدّوابّ غير المكلّفة ، إذ لم توضع موضع الامتحان في ظروف الحياة الدّنيا ، فهي مخلوقة لانتفاع الناس بها ، ولخدمة مصالحهم . فإذا قضى اللّه إهلاك النّاس جميعا ، لم تبق للدّواب المخلوقة لهم وظيفة في الأرض ، فيعمّها الإهلاك الذي يكون بإماتتها ، وهذا ليس تعذيبا لها ، بل هو إنهاء لوجودها دفعة واحدة ، بدل إماتتها في آجالها المقدّرة لكلّ منها ، إذ يموت كلّ منها في أجله . وأمّا المؤمنون الصالحون من عباد اللّه فيكونون قد أدّوا امتحانهم ، وظفروا بالنجاة من النار ، وبالنّعيم المقيم الخالد في جنّات النعيم ، ويميتهم اللّه نظير إماتته لهم في مجاري سنّته الدائمة ، ويكون موتهم راحة لهم من عناء الحياة الدّنيا وكدحها . فلو يؤاخذ اللّه النّاس بما كسبوا من كفر وشرك وجحود وفسق وفجور وعصيان ، ما ترك على ظهر الأرض من دابّة تدبّ عليها مطلقا . أي : ما ترك على الأرض مخلوقا ذا حياة ، لأنّ كلّ مخلوق ذي حياة جسديّة ، من شأنه أنّه يدبّ على الأرض ، مهما صغر جسمه وخفّ وزنه . لكنّه - وهو الرّحمن الرحيم - يرحمهم فلا يؤاخذهم في الحياة الدنيا هذه المؤاخذة ، بل يمهلهم ، ويملي لهم ، ويؤخّرهم إلى آجالهم المسمّاة لكلّ منهم ، والمقرّرة بقضائه وقدره في خطّته التكوينيّة لابتلائهم في ظروف الحياة الدنيا . فإذا جاء أجل كلّ واحد منهم بعد أن منحه اللّه بحكمته أوسع فرصة لامتحانه ، ملائمة لخصائص نفسه ، أماته اللّه ، ليلقى يوم الدّين حسابه ، وفصل القضاء بشأنه ، ثمّ ليلقى جزاءه بالعدل أو بالفضل . أمّا المجرمون والظالمون والكفرة الجاحدون فيلقون جزاءهم بالعدل ، عذابا أليما خالدين في جهنّم وبئس المصير .