كيف يعجزه شيء في الكون ، وكلّ شيء فيه خلق من خلقه ابتداء ، وخاضع لإمداده بالبقاء مع استمرار وجوده ، إذ لا يكون لشيء في الوجود بقاء إلّا بإمساك اللّه له فيه ، خلقا من بعد خلق ، كما سبق بيان هذا .
وجاءت العبارة بأسلوب كون منفيّ بعده لام الجحود ، وهذا من أقوى أساليب النفي ، مع تأكيد النفي بحرف الجرّ الزائد « من » الّذي يفيد التنصيص على عموم النفي .
قول اللّه تعالى :
إِنَّهُ كانَ عَلِيماً قَدِيراً
( 44 ) : أي : إنّه - جلّ جلاله وعظم سلطانه - على الدّوام عليم بكلّ شيء ، بدءا من أجزاء الذّرّة ، وانطلاقا إلى أعظم كائن في الوجود . وقدير على ما يريد من إيجاد وإعدام ، لا ندّ له ، ولا معارض لسلطانه .
وقد سبق بيان أنّ فعل « كان » بالنّسبة إلى اللّه يدلّ على الدّوام في الأزمان كلّها ، لأنّ ما هو أزليّ لا بدّ أن يكون أبديّا .
* * *
قول اللّه عزّ وجل :
وَلَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِما كَسَبُوا ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِنْ دَابَّةٍ وَلكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِعِبادِهِ بَصِيراً
( 45 ) .
دلّت هذه الآية بمنطوقها ، وبلوازمها الفكريّة ، من الجذور الّتي تشتبك معها أركان القاعدة الإيمانية ، ومن الفروع الّتي تزينها أوراق المفاهيم الخضراء عن اللّه وتصاريفه في كونه ، وتثمر الرّضا عن اللّه في اختياراته ، والفهم السّليم لآثار حكمته السّنيّة ، دلّت على حقائق جليلة يشرح بعض جوانبها البيان التالي :