ونظير ذلك كلّ شيء في الوجود مادّيّ أو معنويّ ، من أجزاء الذّرّة ، إلى المخلوقات العظمى المادّيّة والرّوحيّة ، وإلى القوى المنبثّة في الوجود كلّه سوى ذات اللّه وصفاته .
وبناء على هذا فإنّ منطق الفكر السّليم ، والفهم الصّحيح المستقيم ، القائم على قواعد الحقّ ، يقضي بأن يكون العباد في حالة طاعة دائمة ، وعبوديّة إراديّة للّه عزّ وجلّ لا تنقطع ، في مقابل عطاءات الرّبوبيّة المتتابعات المتواصلات ، ما دام الواحد منهم حيّا مرزوقا مدركا ، يملك بعطاء اللّه إرادة حرّة .
وبناء على هذا أيضا فإنّ قواعد العدل المستندة إلى قواعد الحقّ ، تقضي بأن يفصل عن العبد الّذي يستمدّ بقاء وجود ذاته وصفاته دواما من عطاءات ربوبيّة الرّبّ جلّ جلاله تيّار الإمداد عن الجهة الّتي يعصي ربّه فيها .
وإذا كانت المعصية جحودا كاملا لكلّ ربوبيّة الرّبّ جلّ جلاله ، فإنّ قواعد العدل تقضي باستحقاقه فصل كلّ تيّار الإمداد عنه ، وبهذا الفصل يكون ميّتّا ، أو عدما .
ولولا أنّ اللّه - جلّ جلاله - قد وضع الإنس موضع الامتحان في ظروف الحياة الدّنيا ، ليكشف اختياراتهم الحرّة في أنواع الطاعات ، وأنواع المعاصي ، وفي الإيمان على اختلاف درجاته ، وفي الكفر على اختلاف دركاته ، خلال مدّة من الزّمن حدّدها لكلّ منهم ، لكانت المؤاخذة تقضي بأن لا يترك على ظهر الأرض دابّة ما .
وحال الجنّ كحال الإنس في هذه القضيّة ، لأنّ كلّا منهما مختار مكلّف ، موضوع في الحياة الدّنيا موضع الامتحان ، وفي كلّ منهما المسلمون والمجرمون ، وفي كلّ منهما المطيعون والعاصون ، وفي كلّ منهما المؤمنون والكافرون على اختلاف الدّرجات والدّركات .
معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 243
مساهمون: عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني
ص٢٤٣