مبيّنا للحقيقة المخالفة لما يعتقد الفريقان من الكافرين ، ومشيرا ضمنا إلى حكمة الباري جلّ وعلا ، في اختيار جعل إيجاد الناس في الحياة الدّنيا حياة الامتحان ، ضمن خطّة الخلائف .
ومن حكم اللّه عزّ وجلّ في هذا الاختيار أن يعتبر اللّاحقون بما جرى للسّابقين ، وأن يكون من عناصر امتحانهم ابتلاء الأجيال التي اقتربت آجال انتهاء حيواتها ، بالأجيال الوافدة والسّائرة في تنامي حيواتها ، وبالعكس .
فإذا أهلك اللّه عزّ وجلّ كفّار القرون السّابقة ، إهلاكا جماعيا مقرونا بعذاب أليم ، واستخلف في الأرض غيرهم ليبلوهم فيما آتاهم ، كانت قصّة المهلكين السّابقين عبرة ماثلة في تصوّرات الّذين خلفوهم في الأرض ، فإذا كانوا أهل عقل ورشد اتّعظوا ولم يعملوا مثل أعمالهم الّتي جنت عليهم ، فأنزل اللّه بهم عقابه ، فأبعدهم عن الوجود في ظروف الحياة الدنيا ، بمهلكات ساحقات ماحقات شاملات .
أي : أنتم أيّها المتلقّون هذا الخطاب ، خلائف في الأرض لأسلاف لكم كانوا فيها ، وقد تحقّق هذا بقضاء اللّه وقدره وخلقه .
وسكتت العبارة هنا في سورة ( فاطر ) عن بيان الحكمة صراحة ، ولكن يدركها المتدبّر بالاستنباط الذهني .
ثمّ جاء بيان بعض الحكمة في آية نزلت بعد مدّة من الزّمن ، فقال اللّه عزّ وجلّ في سورة ( يونس / 10 مصحف / 51 نزول ) خطابا للكافرين في معرض الحديث عن كفّار القرون السابقة :
ثُمَّ جَعَلْناكُمْ خَلائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ
( 14 ) .
ثمّ جاء التّصريح في آخر آية من سورة ( الأنعام / 6 مصحف / 55 نزول ) ، فقال اللّه عزّ وجلّ فيها :