وهذا يدلّ على أنّه إن يشأ أن يذهبهم من الوجود أذهبهم ، وإن يشأ أن يأتي بخلق جديد أتى به ، لا يعجزه إعدام موجود ، ولا إيجاد معدوم ، فدليل التّعاقب في الأجيال قائم باستمرار .
أي : إنّكم أيّها الناس تشاهدون دواما أجيالا تنقرض ، وأجيالا تأتي بعدها خلفا لها ، وكلّما انتهى دور امتحان واحد من النّاس ، أو جيل من أجيالهم أهلكه اللّه ، وتتعاقب الأجيال البشريّة ليعبر كلّ منهم رحلة امتحانه ، وبعد رحلة الامتحان يأتي دور الحساب ، وفصل القضاء ، وتنفيذ الجزاء يوم الدّين .
هذه هي خطّة اللّه - جلّ جلاله وعظمت حكمته - في إيجاد النّاس وامتحانهم في ظروف الحياة الدنيا .
ونتيجة الامتحان لا بدّ أن يكون التمييز في الجزاء بين من آمن وأسلام وعمل صالحا ، وبين من كفر وأجرم وعمل السّيّئات ، واتّبع أهواءه وشهواته ، ووساوس الشياطين .
وكفّار العرب إبّان نزول القرآن كان أكثرهم مشركين ولا يؤمنون بيوم الدّين ، ويعتقدون اعتقادا توهّميا ، أنّ شركاءهم الّتي يعبدونها من دون اللّه هي الّتي ترحمهم في شؤون دنياهم .
وكان بعض العرب طبيعيّين ، يرون أنّ ظاهرة الحياة والموت أثر التقاء وافتراق العناصر في الكون ، بما فيها من طبائع مختلفة ، مع عامل مرور الزّمن ، وهؤلاء لا يؤمنون باللّه الخالق ، الرّبّ الأزليّ الأبديّ ، وكانوا يعبّرون عن تصوّراتهم الباطلة هذه بقولهم : إن هي إلّا أرحام تدفع ، وأرض تبلع ، وبقولهم : إن هي إلّا حياتنا الدّنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلّا الدّهر .
فجاء قول اللّه عزّ وجل لهم :
هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ فِي الْأَرْضِ