لم يفرضه فيما اصطفى لعباده من الدّين ، وبترك ما لا خير فيه ممّا يحبّ اللّه من عباده الصالحين أن يتركوه ، وهو بحكمته لم يحرّمه عليهم رحمة بهم وتيسيرا .
وهذا القسم السّابق بفعل الخيرات هو سابق لقسم « المقتصد » الذي اقتصر على فعل الواجبات وترك المحرّمات ، ولم يتوسّع في أعمال البرّ ، ولم تصل إلى درجات مرتبة « الإحسان » ، والباء في عبارة :
بِالْخَيْراتِ
سببيّة .
ولمّا كانت الخيرات كثيرات جدّا كانت مجالا واسعا ، وميدانا مديدا للتنافس والتّسابق وتفاضل الدّرجات .
قول اللّه عزّ وجلّ :
*
بِإِذْنِ اللَّهِ :
في هذه العبارة بيان دقيق يفيد أنّ كسب العباد سواء أكانوا ظالمين لأنفسهم ، أم مقتصدين ، أم سابقين بفعل الخيرات ، إنّما يتمّ بإذن اللّه جلّ جلاله وعظم سلطانه .
فإذا لم يأذن اللّه عزّ وجلّ بحدوث أمر ما ، أو لكاسب أن يكسب عملا ما ، لم يكن ذلك الأمر ، ولا ذلك الكسب .
إنّه بعد التمكين العامّ من استخدام المسخّرات لا بدّ من الإذن الخاصّ من اللّه تبارك وتعالى ، عند ممارسة الكسب الذي يكسبه العبد باختياره الحرّ .
وأقرّب هذا إلى الأذهان ، وللّه المثل الأعلى - بمن يمدّ بالطّاقة الكهربائيّة عددا من السّاكنين في عمارته ضيوفا عليه ، وهو مراقب دواما لاستخدامهم لهذه الطاقة ، فما داموا يستخدمون الطاقة الكهربائية ضمن الحدود الّتي لا تضرّ بنظام العمارة العامّ ، فإنّه يترك لهم الحرّيّة في استخدامها ، ويستمرّ على إمدادهم بها ، لكن إذا جاء أحدهم بآلة كهربائيّة ،