فقول اللّه تعالى :
فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ :
أي : فقسم من وارثي الكتاب الرّبّاني ، الّذي ختم اللّه عزّ وجل به الكتاب المنزّلة ، هو قسم ظالم لنفسه .
لقد وصف اللّه عصاة المؤمنين المسلمين بأنّهم ظالمون لأنفسهم ، بسبب تعريضهم أنفسهم بمعاصيهم لعقاب اللّه العادل ، وبسبب حرمانهم أنفسهم من النّجاة ، ومن الفوز بالأجر العظيم ، والثواب الجزيل ، الّذي وعد اللّه به عباده كاملي التقوى .
وهذا الوصف ينطبق على الكافرين من باب أولى ، لأنّهم جلبوا لأنفسهم بكفرهم عذابا أبديا خالدا .
إنّ اللّه - جلّ جلاله وعظم سلطانه - لا يضرّه كفر الكافرين ، ولا جحود الجاحدين ، ولا عصيان العاصين مهما أسرفوا على أنفسهم بالمعاصي ، ولكنّ هؤلاء يضرّون أنفسهم بما يكتسبون ، لأنّهم يجلبون لأنفسهم العذاب الخالد الأليم العادل ، أو يعرّضونها لعقاب اللّه العادل ، فهم يظلمون أنفسهم ، إذ لا يقومون بحقوق أنفسهم عليهم ، من صيانة وحماية ، وجلب منافع ضروريّة ، وهذه لا تتحقّق لها إلا بأن يؤدّوا ما أوجب اللّه عليهم ، وبأن يجتنبوا ما نهاهم اللّه عنه نهي إلزام وتحريم .
وفي مقابل ذلك فإنّ اللّه لا ينفعه إيمان المؤمنين ، ولا إسلام المسلمين ، ولا طاعة المطيعين ، ولكنّ هؤلاء ينفعون أنفسهم بما يكسبون من أعمال صالحة يرضى بها اللّه عنهم .
إنّهم بما يكسبون من صالحات يحمون أنفسهم من عقاب اللّه وعذابه ونقمته ، ويجلبون لأنفسهم الثواب العظيم الذي جعله اللّه بفضله للمتّقين القانتين العاملين بمراضيه .
إنّ أقبح الظّلم وأشنعه وأكثره دلالة على حماقة مرتكبه ، وسفاهته ، وقلّة عقله ، أن يظلم الإنسان نفسه .