تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 182

مساهمون:

ص١٨٢
فقول اللّه تعالى :
فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ :
أي : فقسم من وارثي الكتاب الرّبّاني ، الّذي ختم اللّه عزّ وجل به الكتاب المنزّلة ، هو قسم ظالم لنفسه . لقد وصف اللّه عصاة المؤمنين المسلمين بأنّهم ظالمون لأنفسهم ، بسبب تعريضهم أنفسهم بمعاصيهم لعقاب اللّه العادل ، وبسبب حرمانهم أنفسهم من النّجاة ، ومن الفوز بالأجر العظيم ، والثواب الجزيل ، الّذي وعد اللّه به عباده كاملي التقوى . وهذا الوصف ينطبق على الكافرين من باب أولى ، لأنّهم جلبوا لأنفسهم بكفرهم عذابا أبديا خالدا . إنّ اللّه - جلّ جلاله وعظم سلطانه - لا يضرّه كفر الكافرين ، ولا جحود الجاحدين ، ولا عصيان العاصين مهما أسرفوا على أنفسهم بالمعاصي ، ولكنّ هؤلاء يضرّون أنفسهم بما يكتسبون ، لأنّهم يجلبون لأنفسهم العذاب الخالد الأليم العادل ، أو يعرّضونها لعقاب اللّه العادل ، فهم يظلمون أنفسهم ، إذ لا يقومون بحقوق أنفسهم عليهم ، من صيانة وحماية ، وجلب منافع ضروريّة ، وهذه لا تتحقّق لها إلا بأن يؤدّوا ما أوجب اللّه عليهم ، وبأن يجتنبوا ما نهاهم اللّه عنه نهي إلزام وتحريم . وفي مقابل ذلك فإنّ اللّه لا ينفعه إيمان المؤمنين ، ولا إسلام المسلمين ، ولا طاعة المطيعين ، ولكنّ هؤلاء ينفعون أنفسهم بما يكسبون من أعمال صالحة يرضى بها اللّه عنهم . إنّهم بما يكسبون من صالحات يحمون أنفسهم من عقاب اللّه وعذابه ونقمته ، ويجلبون لأنفسهم الثواب العظيم الذي جعله اللّه بفضله للمتّقين القانتين العاملين بمراضيه . إنّ أقبح الظّلم وأشنعه وأكثره دلالة على حماقة مرتكبه ، وسفاهته ، وقلّة عقله ، أن يظلم الإنسان نفسه .
معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 182 | عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني