وحينما يكون الإنفاق ابتغاء مرضاة اللّه حقّا ، فلا حرج أن يكون إنفاقا في السّرّ أو إنفاقا في العلن ، ولكن جاء في النصّ تقديم الإنفاق في السّر على الإنفاق في العلن ، للإشعار بأنّ الإنفاق في سبيل اللّه في السّرّ أفضل من الإنفاق في العلانية ، لأنّه أعون على استجماع النّيّة الخالصة في ابتغاء مرضاة اللّه .
على أنّه قد يكون الإنفاق في العلانية في بعض الأحوال أكثر تشجيعا لذوي الأموال على البذل ، تأسّيا بالقدوة الحسنة ، فيكون الأمر العلنيّ أنفع للبذل في جهات الخير ، التي يحقّق الإنفاق فيها رضوان اللّه عزّ وجل .
* * * قول اللّه تعالى خطابا لرسوله محمد صلّى اللّه عليه وسلّم :
وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتابِ هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ إِنَّ اللَّهَ بِعِبادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ ( 31 ) ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سابِقٌ بِالْخَيْراتِ بِإِذْنِ اللَّهِ .
( 32 )
تمهيد :
عقب توجيه المؤمنين المسلمين لتلاوة كتاب اللّه عزّ وجلّ ( القرآن المجيد ) اقتضت الحكمة في البيان ، أن يأتي الحديث في هذا الدّرس عن القرآن بأنّه حقّ ، وبأنّه مصدّق لما نزل قبله من كتاب ربّانيّة ، ومنها فيما نعلم التوراة والزبور والإنجيل وصحف إبراهيم وموسى ، وتشتمل العبارة سائر ما أنزل اللّه على المرسلين السّابقين ، ومصدّق أيضا باللزّوم العقليّ للرّسل والأنبياء الصادقين الّذين جاءوا قبل محمّد صلّى اللّه وسلّم عليهم أجمعين ، لأنّهم حملة رسالات ربّهم ، وهم دعاة صادقون لها .