نفهم الحصر والقصر هنا مع أنّ كلّ مخلوق في الوجود ، هو فقير دواما ، محتاج إلى خالقه وممدّه بالبقاء .
وفي الإجابة على هذا السؤال أقول :
إنّ المشركين المعنيّين بالخطاب ، كانوا يعتقدون أنّ آلهتهم الّتي يعبدونها من دون اللّه ، هي التي ترحمهم ، فترزقهم مختلف أرزاقهم المادّيّة والمعنوية ، ممّا لا يكتسب بالوسائل السّببيّة الكونيّة ، أمّا ماله وسائل سببيّة كونيّة ، فإنّهم يقومون بها بأنفسهم ، فيستغنون بها عن الرّبّ الخالق الرازق .
فجاءت العبارة على طريقة القصر الإضافيّ المراد به قلب اعتقادهم إلى نقيضه تماما ، أي : يا أيّها الشّاكّون في افتقاركم إلى اللّه ربكم ، أنتم المحتاجون إلى الاعتقاد بأنّكم الفقراء إلى اللّه ، أمّا غيركم من أهل الإيمان ، فإنّهم لا يشكّون في هذه الحقيقة ، بل يؤمنون بأنّهم أغنياء باللّه .
وهذا قد يدخل في قسم قصر القلب الّذي ذكره علماء البلاغة ، ويمكن أن نسميه « قصر بيان » وأن نضيفه إلى الأقسام الأربعة الّتي ذكرها البلاغيون ، أو نجعله من قسم القصر الإضافيّ إذا توسّعنا في مفهوم هذا القسم من أقسام القصر .
وفي هذه القضية نجد متابعة معالجة المشركين إبّان التّنزيل ، بشأن عقيدتهم في أنّ أرزاقهم ومطالب حيواتهم ، إنّما تمدّهم بها آلهتهم الّتي يعبدونها من دون اللّه بوسائل غيبيّة .
وقد سبق أن جاءت معالجتها في سورة ( الفرقان ) وفي أوائل سورة ( فاطر ) .
* ففي سورة ( الفرقان / 42 نزول ) أبان اللّه عزّ وجلّ لهؤلاء المشركين ، بأنّه هو الرّحمن الّذي يرحمهم دواما ، فيمدّهم من السّماء بأسباب الرّزق ، ومنها أن جعل لهم في السّماء الشّمس سراجا تمدّ الأرض بالضّوء والحرارة ، وهما عنصران ضروريّان للحياة .
معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 119
مساهمون: عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني
ص١١٩