ثانيا : وهذا الدّرس يتابع أيضا تربية الرّسول صلّى اللّه عليه وسلّم بتراوح غير متتابع ، إيثارا لفنّية التّنقّل في المتابعات المجدّدة للانتباه ، والمحرّكة للأذهان .
ويلحق بالرّسول كلّ حامل لرسالته من أمّته .
( 1 ) فيؤكّد اللّه عزّ وجلّ فيه لرسوله أنّ إنذاره المؤثّر النافع إنّما يكون للّذين يخشون ربّهم بالغيب وأقاموا الصّلاة ولو من أدنى الحدود :
إِنَّما تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ . . . .
( 18 )
أي : فلا تعبأ بالميؤوس منهم بعد التجربات الكافيات لليأس من استجابتهم ، ويكفيك أن توجّه لهم الإنذار الأخير وأنت منصرف عن معالجتهم ، وإنفاق أوقاتك في أمر لا جدوى منه .
وإن تتابع هؤلاء بالإقناع والمجادلة والترغيب والترهيب فإنّك تكون فيهم كمن يحاول أن يسمع الموتى وهم في قبورهم :
إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشاءُ وَما أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ .
( 22 )
( 2 ) وأبان اللّه عزّ وجلّ فيه لرسوله بأسلوب القصر والحصر ، أنّ وظيفته الأخيرة بالنّسبة إلى الميؤوس من إصلاحهم عن طريق إراداتهم الحرّة ، هو توجيه الإنذار في آخر مراحل معالجاتهم :
إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ .
( 23 )
( 3 ) وأبان اللّه عزّ وجلّ فيه لرسوله ، أنّ وظيفته العامّة للجميع بعد تبليغ الحقّ الرّبّاني وبيانه والتذكير به ، في مجالات الموعظة المحرّكة للنّفوس من محوري ما تحبّ وما تكره قائمة على الترغيب بثواب اللّه العظيم ، والترهيب من عقابه الأليم :
إِنَّا أَرْسَلْناكَ بِالْحَقِّ بَشِيراً وَنَذِيراً . . . .
( 24 )
( 4 ) وأبان اللّه عزّ وجلّ فيه لرسوله ، أنّه ما من أمّة سلفت في تاريخ البشريّة ، إلّا خلا فيها نذير :
. . . وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلا فِيها نَذِيرٌ .
( 24 )
أي : ووصل حاله مع قومه أن وجّه لهم آخر وظائف رسالته ، وهي