*
يا أَيُّهَا النَّاسُ :
هذا النداء من اللّه عزّ وجلّ للناس هو النداء الثالث لهم في هذه السّورة ، والمعنيّون الأوّلون من عموم الناس هنا ، هم الكافرون المكذّبون برسالة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم من قومه إبّان نزول السورة .
والمنادى به في هذه الآيات الثلاث ( 15 - 16 - 17 ) ثلاث قضايا :
القضيّة الأولى : دلّ عليها خطابا للناس :
أَنْتُمُ الْفُقَراءُ إِلَى اللَّهِ . . . :
الفقراء : جمع الفقير ، وهو من الناس ذو الحاجة الّذي لا يملك ما يكفي مطالب معيشته .
ويقال لغة : افتقر إلى الشيء أو إلى الأمر ، أي : احتاج إليه .
فالمعنى : أنتم الفقراء المحتاجون دوما إلى إمداد اللّه لكم بعطاءات ربوبيته لكم ، لا تنفكّ عنكم حاجتكم إليه مقدار أقلّ زمن من وجوداتكم وحيواتكم .
فوجوداتكم ، وأرزاقكم ، ومطالب حيواتكم ، وعزّكم ، ونصركم ، وعافياتكم ، وقوّاتكم ، وحركاتكم ، وسكناتكم ، وسائر ما يجري فيكم ، أو يصدر عنكم ، لا تتمّ إلّا بإمداد متتابع من اللّه لكم ، كتتابع تيّار الكهرباء لإمداد الآلات الكهربائيّة بقوت أعمالها ، ففي اللّحظة الّتي يتوقّف عنها التّيّار الكهربائي تتوقّف عن أعمالها .
أي : والآلهة الّتي تجعلونها شركاء للّه في إلهيّته الّتي لا تكون لها حقّا ، ما لم تكن شركاء للّه في ربوبيّته ، وهذا باطل حتما بالبراهين العقليّة القواطع ، فآلهتكم التي تعبدونها من دون اللّه أيّها الناس المشركون ، لا تملك لكم جلب نفع ولا دفع ضرّ ، ولا تملك لكم عزّا ولا نصرا .
وهذه الجملة :
أَنْتُمُ الْفُقَراءُ إِلَى اللَّهِ
جاءت على طرائق الجمل الّتي تفيد الحصر والقصر ، لأنّها من مبتدأ وخبر معرفتين ، ولكن كيف