النّدبة الّتي ذكرها علماء العربيّة تكون لمتوجّع على فقده ، أو لمتوجّع منه ، أو لمتوجّع لأجله .
وقد استعمل العرب صيغة النداء في النّدب توجّعا وتفجّعا ، وإن كان ما ذكره النّحويّون من شروط المندوب غير متحقّق هنا ، والأمر يسير في أساليب التعبير .
وجاء المندوب هنا منصوبا دون أن يقترن بألف النّدبة الّتي تزاد بعد المندوب ، لأنّ النّصّ عبّر عن حالة كلّ من يتحسّر لأجلهم ، لا عن حالة متحسّر لأجله خاصّ .
وهذا الأسلوب ابتكار قرآنيّ ، علّمنا اللّه فيه كيف نعبّر عن حالة من سيسقطون في عواقب وخيمة ، تجعلهم يتحسّرون على أنفسهم ، وتجعل آخرين من ذوي الألباب والرّحمة والشفقة يتحسّرون عليهم ، ويتوجّعون من أجلهم ، إذ يرونهم يسعون كادحين في مسالك توصلهم إلى شقائهم الأبديّ في عذاب النار ، كالفراش الذي يتهافت على الحريق ، غير أنّ عذاب الكفار خالد ، وعذاب حريق الفراش لمحة .
والتحسّر في عبارة :
يا حَسْرَةً عَلَى الْعِبادِ
كناية عن تحقّق نزول العقاب فيهم ، بسبب تكذيبهم رسل ربّهم ، واستهزائهم بهم .
والحاكم العادل قد يوقع العقاب الشديد بمن يستحقه بمقتضى العدل ، وهو قد يتحسّر على من ينزل به العقاب ، إذ جنى على نفسه باختياره الحرّ .
والعاقل الرحيم يشاهد مغامرا يقذف بنفسه من شاهق ، اعتمادا على أنّه يسقط على ماء ، وهو ماهر في السّباحة ، مع أنّه في الحقيقة يسقط على صخر يحطّمه ، أو نار تحرقه ، فيصرخ المشاهد الرّحيم به نادبا متفجّعا من أجله ، قائلا : يا حسرة عليه ، قتل نفسه ، وقذف بها إلى العذاب .