التدبّر التحليلي :
قول اللّه تعالى :
*
يا حَسْرَةً عَلَى الْعِبادِ ما يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ
( 30 ) :
الحسرة على الشيء : تأتي في اللّغة بمعنى التأسّف ، والحزن ، والتّلهّف ، وقد يرافقّ ذلك النّدم ، وتلويم النّفس على ما كان منها ، ممّا جرّ إلى ما اقتضى الحسرة والنّدم .
يا حَسْرَةً عَلَى الْعِبادِ :
نداء للحسرة ، قالوا : وهذا النداء على معنى :
إن كان لك وقت يا حسرة ، فهذا أوان حضورك .
وذكر المفسّرون تخريجات أخرى ، أرى أنّها بعيدة عن أساليب القرآن الرّفيعة ، منها أنّ المنادى محذوف ، ولفظ « حسرة » منصوب على أنّه مفعول مطلق لفعل محذوف ، والتقدير : يا هؤلاء تحسّروا حسرة .
أقول :
لم لا يكون نداء للحسرة أن تنزل بمكذّبي الرّسل المستهزئين بهم ، وهو على معنى : يا عقابا عادلا انزل عليهم ، فاشمل قلوبهم ونفوسهم بالحسرة والنّدم ، على ما كان منهم من ظلم وإثم وعناد والتزام بالباطل ، ورفض للحقّ .
جاء في العبارة النداء للحسرة ، والمراد ما يسبّبها من العقاب والعذاب .
أو لم لا يكون هذا التعبير
يا حَسْرَةً
من باب النّدبة ، والمعنى أنّ حال هؤلاء العباد المستهزئين برسل ربّهم ، حال من يتوجّع محبّوهم والمشفقون عليهم من الحسرة لأجلهم ، إذ يسعون كادحين إلى عذاب النار خالدين فيها .