قول اللّه تعالى :
*
أَ لَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لا يَرْجِعُونَ
( 31 ) ؟ ! ! .
أي : ألم يروا في آثار المهلكين السّابقين إهلاكا جماعيّا شاملا ، ما يدلّهم على أنّ إهلاكهم الشامل ، قد كان بسبب تكذيبهم رسل ربّهم ، وتكذيبهم بما جاءوهم به من الحقّ ، جحودا وعنادا وإصرارا على الباطل ، واتّباعا للأهواء والشهوات من زينة الحياة الدّنيا ، وإيثارا للتقاليد العمياء الموروثة عن آبائهم وأجدادهم .
مِنَ الْقُرُونِ :
القرون : جمع « القرن » والقرن من الناس أهل زمان واحد .
لم يواجه اللّه عزّ وجلّ في هذه الآية المعنيّين بالخطاب المباشر ، بل تحدّث عنهم بأسلوب الحديث عن الغائبين ، لمقابلة إدبارهم أو إعراضهم عن دعوة اللّه ورسوله ، بالإعراض عن المواجهة بالخطاب ، ومعلوم أنّهم مكذّبوا الرّسول إبّان تنزيل السورة ، وأنّ الغرض إقناعهم عن طريق تذكيرهم بالشواهد التاريخيّة من قصص المهلكين السّابقين ، وهم ما بين مدبر ومعرض .
فالمناسب مخاطبة المقبلين عند التحدّث عن المدبرين أو المعرضين الغائبين فكريّا ونفسيّا ، لإسماعهم ما يتعلّق بهم دون مواجهة لهم بالخطاب التكريميّ .
إنّ إهلاك اللّه عزّ وجلّ مكذّبي القرون السّابقة من القضايا المعروفة لدى المعنيّين بالحديث ، فأخبار قوم نوح ، وعاد ، وثمود ، وقوم لوط ، وأهل مدين ، وفرعون وجنوده ، وإهلاك اللّه لهم ، لأنّهم كذّبوا رسل ربّهم ، وقاوموا رسالاتهم مشاقّين معادين ، أخبار منتشرة مشهورة ، وقد سبق في نجوم التّنزيل التّذكير بها ، والآثار في الأرض شواهد تؤكّد هذه الأخبار .