هذا الحديث القدسي يفسّر معنى :
قُلْ ما يَعْبَؤُا بِكُمْ رَبِّي
أي : ما يبالي بكم من أجل ذاته ، لأنّكم لن تبلغوا ضرّه فتضرّوه ، ولن تبلغوا نفعه فتنفعوه .
وهنا يأتي سؤال ، وهو : إذن فلماذا بعث اللّه لنا الرّسول ، وأنزل إلينا الكتاب ، ولماذا يعالجنا بالإقناع والمجادلة والهداية والتّرغيب ، والتّرهيب ، وسائر وسائل التّربية ؟
أليس هذا من مبالاته بنا ؟ وعنايته بشؤوننا ؟
والجواب : بلى ، إنّه سبحانه يعبأ بكم ولكن لا من أجل نفسه وذاته ، بل من أجلكم أنتم ، رحمة بكم ، واستيفاء لكلّ ما يلزم لتبصيركم وهدايتكم وإرشادكم ، في دعوتكم إلى سبيل سعادتكم ونجاتكم من العذاب المعدّ لأهل الكفر والفجور والعصيان .
فلولا دعاؤكم - أي : دعوتكم إلى سلوك الصّراط المستقيم لسعادتكم ونجاتكم - ما كان ربّي يعبأ بكم .
فمعنى :
لَوْ لا دُعاؤُكُمْ :
لولا دعاء اللّه إيّاكم ، لفظ « دعاء » مصدر مضاف إلى المفعول به ، والفاعل معلوم من السّابق واللّاحق ، وهو اللّه عزّ وجلّ .
فعناية اللّه بكم هي من أجل مصلحتكم ، واستيفاء شروط دعوتكم في رحلة امتحانكم في هذه الحياة الدّنيا ، ولولا ذلك لم يعبأ اللّه بكم من أجل نفسه وذاته ، فهو سبحانه الغنيّ العزيز مالك الملك ، وهو على كلّ شيء قدير .
ولكنّكم مع هذه العناية البالغة بكم من أجلكم أنتم ، ورحمة بكم لم تستجيبوا لدعوته من أجل أنفسكم وسعادتكم ونجاتكم ، والخطاب هنا للّذين أصروا على الكفر على الرغم من كلّ أنواع العلاج الّتي جاءت في سورة ( الفرقان ) وما نزل قبلها من سور القرآن .