ما يَعْبَؤُا بِكُمْ رَبِّي :
أي : ما يبالي بكم ، أصل العبء في اللّغة الحمل ، والجمع « أعباء » بمعنى أحمال . والعبء أيضا العدل ، لما يوضع فيه من أشياء تحمل اهتماما بما فيها من خير أو مصلحة . وإنّما يحمل العقلاء ما له قيمة ، أو لهم به مصلحة أو منفعة ، أمّا ما لا مصلحة لهم به فإنّهم يهملونه فلا يحملونه ، ولا يجعلونه في أوعيتهم .
ومن هنا يأتي استعمال عبارة : « لا يعبأ به » بمعنى : لا يبالي به لعدم مصلحة له فيه .
وهنا نقول : هل للّه عزّ وجلّ مصلحة لذاته لدى عباده ؟
والجواب : لقد تنزّه اللّه تبارك وتعالى عن ذلك ، إنّ عبادة عابديهم لا تنفعه بشيء ، وكفر كفّارهم وفجور فجّارهم لا يضرّه بشيء ، إذن فهو لا يبالي من أجل ذاته سبحانه بعبادة العابدين ، ولا بكفر الكافرين ، أو جحود الجاحدين ، أو فجور الفاجرين .
هذه الحقيقة قد جاء بيانها في الحديث القدسيّ الّذي رواه الإمام مسلم عن أبي ذرّ رضي اللّه عنه ، عن النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم فيما يرويه عن اللّه تبارك وتعالى ، فقد جاء فيه أنّ اللّه تعالى قال :
« يا عبادي ! إنّكم لن تبلغوا ضرّي فتضرّوني ، ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني ، يا عبادي ، لو أنّ أوّلكم وآخركم وإنسكم وجنّكم ، كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ، ما زاد ذلك في ملكي شيئا ، يا عبادي ! لو أنّ أوّلكم وآخركم وإنسكم وجنّكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد ما نقص ذلك من ملكي شيئا ، يا عبادي ! لو أنّ أوّلكم وآخركم وإنسكم وجنّكم قاموا في صعيد واحد ، فسألوني ، فأعطيت كلّ إنسان مسألته ، ما نقص ذلك مما عندي إلّا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر .
يا عبادي ! إنّما هي أعمالكم أحصيها لكم ثمّ أوفّيكم إيّاها ، فمن وجد خيرا فليحمد اللّه ، ومن وجد غير ذلك فلا يلومنّ إلّا نفسه » .