وبعد هذا الإزلاف يقال لكلّ أوّاب حفيظ من المتّقين :
هذا ما تُوعَدُونَ .
جاء التّعبير بصيغة الفعل المضارع ، لأنّهم لم يدخلوا الجنّة بعد ، فهم ما زالوا يوعدون ، إلّا أنّهم يشاهدون حينئذ بأبصارهم ما كانوا يوعدون من قبل ، وما زالوا يوعدونه .
ويظهر أنّ المشار إليه بكلمة ( هذا ) قسم خاصّ من الجنّة ، معدّ لكلّ أوّاب حفيظ من عموم المتّقين ذوي الدّرجات المختلفات ، لذلك جاء في النّصّ :
هذا ما تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ
( 32 ) أي : هذا ما توعدون به جميعا وعدا مشروطا بأنّ مستحقّه لا بدّ أن يكون في أدنى الدّرجات أوّابا حفيظا .
الأوّاب من المتقين : هو كثير الرّجوع إلى ربّه لدى كلّ بادرة معصية تكون منه ، وكذلك سريع الرّجوع إلى ربّه بالتّوبة والنّدم والاستغفار ، وكثير الرّجوع إلى مواطن القرب من ربّه كلّما ابتعد بمشاغل الدّنيا ولو من دون معصية ، فصيغة المبالغة والتكثير في كلمة « أوّاب » يمكن حملها على كلّ ذلك .
أمّا الحفيظ : فهو كثير المراقبة لأعماله ، وأوامر اللّه ونواهيه المتعلّقة بها ، وكثير الحماية لنفسه من مزالق المعاصي والآثام والمخالفات ، وكثير العناية بتغذية قلبه وفكره ونفسه وروحه بما ينمّي فيها الارتقاء في معارج القرب من اللّه ، والسّعادة بعبادته ومناجاته وتدبّر آياته ، وكلّ هذه المعاني تدخل في عموم دلالة كلمة الحفظ .
فالحفيظ على ماله يراقبه خوف العوارض والمكاره فيه ، ويحميه ، ويعتني به بالتّنمية ، حتّى لا تفنيه آكلات الزّمان .
والأواب الحفيظ هو من خشي الرّحمن بالغيب ، إذ خشيته نابغة من