تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 654

مساهمون:

ص٦٥٤
العمر ثمين جدّا ، ولا يصحّ أن يضيّع في اللّغو الّذي لا فائدة تحصل من ورائه ، ولا خير يرجى منه . هكذا يكون مرور الكرام ، إنّه مرور تحيّة وسلام ، لا مرور تطفّل ومقام . و « عباد الرّحمن » من خلقهم علوّ الهمّة ، الّتي يترفّعون بها عن محقرات الأمور وصغائرها ، وينشدون بها معالي الأمور وكمالاتها ، إذ يدركون أنّ التّعلّق بمحقرات الأمور من دناءة النّفس ، وانحطاط همّتها ، وهذا لا يفعله كبار القلوب والنّفوس ، لذلك فهم أصحاب نظرات آخذات في طريق صاعدة ، ومتطلّعات إلى آفاق المعالي ، وهم بهذه النّظرات يرون أنّ اللّغو من القول أو الفعل أو التّفكير ، هو من محقرات الأمور وسفاسفها ، لذلك فهم لا يضيّعون فيها إلّا اليسير القليل من طاقاتهم وأوقاتهم . فإذا مرّوا في حياتهم بأمر من أمور اللّغو أعرضوا عنه ، أو خفّوا في اجتياز ساحته ، وكرّموا نفوسهم عن الإقامة فيها ، ولم يسمحوا لأوقاتهم الثّمينة الّتي هي رأس مالهم في حياتهم بأن تضيع في اللّغو سدى . ولمّا كان اللّغو اشتغالا بما لا نفع فيه ولا فائدة ، كان من الأشياء الّتي لا تعني العقلاء ( أي : لا تهمّهم فلا يحتفلون بها ) و « عباد الرّحمن » عقلاء حريصون على ما يعنيهم وينفعهم ) ، ولا يشتغلون فيما لا يعنيهم ، عملا بوصيّة الرّسول صلّى اللّه عليه وسلّم . روى مالك وأحمد عن عليّ بن الحسين ، وروى ابن ماجة عن أبي هريرة أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه » . ( حديث صحيح ) .