تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 585

مساهمون:

ص٥٨٥
كونه لإقناع أشدّ المتعنّتين المتمسّكين بالشّبهات ، حول انفراد اللّه بالرّبوبيّة في الوجود ، الذي يلزم عنه عقلا وجوب إفراده بالعبادة ، فلا يعبد معه أحد ، إذ لا يشاركه في ربوبيّته أحد . أبان اللّه عزّ وجلّ في هذا الدرس أنّ المشركين الّذين كفروا لا يزالون يعبدون بإصرار وعناد ما لا ينفعهم ولا يضرّهم ، فلم تليّن عنادهم المتصلّب المتشدّد أشدّ البراهين ، فكانوا بعنادهم وتصلّبهم وتشدّدهم مظاهرين لإبليس فيما تعهّد به لربّه إذ قال له ، ما جاء بيانه في قول اللّه عزّ وجلّ في سورة ( ص / 38 مصحف / 35 نزول ) :
قالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ( 82 ) إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ
( 83 ) . * وأخيرا حدّد اللّه عزّ وجلّ لرسوله وظيفته ، فأبان له أنّه ما أرسله إلّا مبشّرا ونذيرا ، أي : ليس عليه من وظيفة بعد أن يبلّغ ويبيّن ويعلّم وينصح ويستخدم كلّ وسائل الإقناع والتّربية إلّا أن يبشر من آمن به واتّبعه ، وينذر من كفر وأبى ، والمعنى أنّه ليس مسؤولا عن تحويل النّاس بالإكراه والإلزام والجبر إلى ما هو مطلوب منهم في الدّين ، فهم مزوّدون بإرادات حرّة ، وهم ممتحنون ، والمطلوب منهم أن يختاروا بحرّيّاتهم ما يشاءون ، واللّه بعد ذلك يجازيهم على أعمالهم الّتي قدّموها باختيارهم الحرّ . إنّه الاختيار المستتبع بالمسؤوليّة والجزاء . وبعد أن حدّد اللّه لرسوله مسؤوليّته ، وجّهه لأربع قضايا : القضية الأولى : أن يعلن للجميع فيقول :
ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ
قلّ أم كثر ، إلّا من شاء أن يتّخذ إلى ربّه سبيلا ، حتّى يثيبه اللّه على ما يقدّمه لرسوله ممّا قد يوهم في ظاهره أنّه أجر للرّسول على ما يبذل لأمّته من نصح وتعليم وتربية وحرص على نجاتهم وسعادتهم وتضحيات من أجلهم ، فله أن يفعل ابتغاء مرضاة ربّه .