فيقال لهم : إنّ أنواع عذابكم متعدّدة ، ومتجدّدة ، فلا يكفيكم أن تدعوا ثبورا واحدا ، بل تحتاجون أن تدعوا ثبورا كثيرا ، فمع كلّ نوع عذاب تدعون ثبورا ، ومع كلّ متجدّد عذاب تدعون ثبورا .
الثّبور : كما سبق بيانه هو الهلاك ، بمعنى الموت والفناء ، وفي تمنّي الكافر لنفسه الهلاك قال اللّه تعالى في سورة ( النبأ / 78 مصحف / 80 نزول ) :
إِنَّا أَنْذَرْناكُمْ عَذاباً قَرِيباً يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ ما قَدَّمَتْ يَداهُ وَيَقُولُ الْكافِرُ يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُراباً
( 40 ) .
القضية الثالثة : عرض البشارة الّتي بشّر اللّه بها المتّقين ، بأن وعدهم أن تكون جنّة الخلد جزاء لهم على تقواهم ، تفضّلا منه بها عليهم ، وأن تكون مصيرا يصيرون في نهاية مراحلهم إليه ، فهي منزلهم الطيّب الدائم الخالد ، ولهم فيها ما يشاءون ، وجعل اللّه من حقّهم أن يطالبوا به .
وجاء هذا العرض بأسلوب الاستفهام المطلوب توجيهه للمكذّبين بيوم الدّين ، حول المقارنة والموازنة بين حال المكذبين وحال المتّقين ، بدءا من حياة الابتلاء ، ومآلا في حياة الجزاء ، والغرض من هذا السؤال الاستفهاميّ استثارتهم للتفكير الذّاتي ، والاستبصار في حقيقة الأمر ، بعيدا عن العقبة النفسيّة ، التي يرفض بعض النّاس بسببها التّوجيه المباشر التّعليميّ ، لكّنهم لا يرفضون المشاركة في التّفكير واستخلاص الحقائق بالتأمّل ، فقال اللّه عزّ وجلّ للرسول ولكلّ داع من بعده إلى سبيل اللّه :
قُلْ أَ ذلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ كانَتْ لَهُمْ جَزاءً وَمَصِيراً ( 15 ) لَهُمْ فِيها ما يَشاؤُنَ خالِدِينَ كانَ عَلى رَبِّكَ وَعْداً مَسْؤُلًا
( 16 ) .
ونلاحظ في قوله تعالى :
قُلْ أَ ذلِكَ
أنّ اللّه يوجّه الخطاب للمفرد ، ويأمره بأن يخاطب المفرد ، إذ لم يقل : قل : أذلكم . وفي هذا