وَزَفِيراً ( 12 ) وَإِذا أُلْقُوا مِنْها مَكاناً ضَيِّقاً مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنالِكَ ثُبُوراً ( 13 ) لا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُوراً واحِداً وَادْعُوا ثُبُوراً كَثِيراً
( 14 ) .
فدار تعذيب المكذّبين بيوم الدين ، وهي السعير ( النار الموقدة الملتهبة ) قد أعتدها اللّه بعناية لإقامة العدل دون ظلم ولا جور .
ومن أحوالهم معها ما يلي :
أولا : إذا اقتربت منهم اقترابا ما ، بحيث يمكن أن يراها الرّائي في مكانهم ، أو يراهم الرّائي في مكانها ، وهو مكان بعيد نسبيّا ، سمعوا أصوات غليانها وتفجّراتها الّتي تشبه غيظ النّفوس والقلوب المغتاظة ، وأصوات اندفاع الرّياح السّموم من داخلها الّذي يشبه الزفير في تنفّس الأحياء ، وذلك دليل على شدّة الأصوات ، إذ هي تسمع من أقصى بعد يدركه البصر ، والمعروف في أنظمة الحواسّ أنّ الأشياء ترى بالبصر ، وقد لا تسمع أصواتها الشّديدة ، لأنّ مكان بعدها يسمح بالإدراك البصري ، ولا يسمح بالإدراك السّمعي . ويدلّ إسناد الرّؤية إلى النّار على أنّهم يكونون في تلك الحالة عميانا ، ولولا ذلك لقال تعالى : إذا رأوها من مكان بعيد سمعوا لها تغيّظا وزفيرا ، أو على أنّ بينهم وبينها حجابا يمنعهم من رؤيتها .
ثانيا : إذا ألقوا منها إلقاء بإهانة وإذلال في مكان ضيّق لتعذيبهم ، حالة كونهم مشدودين بالحبال والسّلاسل ، مجموعين مع نظرائهم ، دعوا هنالك في ذلك المكان البعيد السّحيق المهين : هلاكا ما أن يحلّ بهم للخلاص ممّا هم فيه من عذاب ، ويسألون اللّه ذلك الهلاك ، ويندبون ذلك الهلاك تحسّرا على فقده وحرمانهم منه ، لأنّهم في عذاب مستمرّ ، ولو نزل بهم الهلاك لكان ذلك راحة لهم ، لكنّهم لا يملكون التّخلّص من حياتهم ، ولا يملكون إماتة أنفسهم .