منه ، بعد أن اتّهموه قبل ذلك في مرحلة سابقة من مراحل دعوته بأنّه ساحر ، وفي هذا تقلّب منهم في المواقف بين الأضداد .
وغرضهم من هذا الاتهام الجديد تحريض المؤمنين على الرّدة عن دينه ، والانصراف عن اتّباعهم له ، مستثيرين فيهم الأنفة عن اتّباع رجل مسحور مغلوب على أمره ، وهو يتوهّم أنه صادق .
القضيّة الرابعة : تطييب قلب الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم بالنسبة إلى اتهاماتهم له ، بأنّ أمرهم جدير بأن يتعجّب منه المتعجّبون ، نظرا إلى أنّهم ضلّوا في متاهات الأوصاف المتناقضة المتعارضة ، فهم في متاهاتهم وضلالاتهم لا يستطيعون أن يجدوا سبيلا حقّا واضحا يسلكونه ، لذلك فهم يتنقّلون في ضلالات متناقضات لدى اتّهامهم له ، ليوهموا بأقوالهم المتعارضة المتناقضة أنّه ليس نبيّا ولا رسولا ، فقال اللّه تعالى :
انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا
( 9 ) .
أي : انظر متعجّبا من أحوالهم المتقلّبة المحرومة من المنطق السليم ، والفكر القويم ، إذ يصفونك بالمتناقضات والأضداد التي لا تجتمع .
ومن عجيب البيان القرآنيّ أنّ النصّ لم يأت فيه أنهم مثّلوه وشبّهوه بنحو ساحر ومفتر ومجنون ومسحور ، بل قلب النصّ التّشبيه تكريما له ، فقال :
ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثالَ
أي : حاولوا أن يصنعوا أمثلة لك من عند أنفسهم ، يزعمون أنّها تشبهك ، كمن يأتي إلى صخرة فينحت فيها صورة مشوّهة لحيوان حقير ، ثم يزعم أنّها تمثال مطابق لأكمل أسد عرفه الناس .
إنّ هذا القلب لصورة التشبيه من أبدع الأساليب الأدبيّة ، والغرض منه تكريم الرّسول عن حكاية ما فعلوه في تشبيههم له ، وجعل ما فعلوه نقصا في اصطناعهم الذي اصطنعوه ، فبقي الرسول في قمّته لم يمسّه شيء ممّا اصطنعوه ، فوقع تطييب قلبه موقع العلاج الشافي .