فاللّحد هو الشقّ الذي يكون في جانب القبر ، لوضع الميت فيه ، وسمّي لحدا لأنّه قد أميل عن وسطه إلى جانبه . يقال : ألحد في الدّين ولحد ، أي : حاد عنه . قال ابن السّكّيت : الملحد العادل عن الحقّ المدخل فيه ما ليس فيه .
ومادّة الكلمة تدور حول الميل عن الحق ، والجور ، والظلم والمجادلة بالباطل . ولشناعة الجور في مكة سمّي الجائر فيها ملحدا .
والرّدّ هنا في هذه الآية من سورة ( النحل ) واضح جليّ ، وهو أنّ القرآن منزّل بلسان عربيّ مبين ، وبيان عربيّ معجز ، والرسول لا يعلم اللّسان الأعجميّ ، والأعجميّ المشار إليه لا يحسن العربية ، وحين يتكلّم شيئا منها يتكلّمه بصعوبة بالغة ولكنة ولحن ، وبأساليب بعيدة عن أساليب العرب أصلا ، فادّعاء أنّ الأعجميّ المشار إليه هو الذي يعلّمه القرآن ادّعاء ساقط جدّا ، لا يقبله ذو عقل منصف .
وفي بيان هذا الرجل الذي زعم الكافرون أنّ الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم كان يتعلّم منه القرآن ، وردت بعض روايات .
( 1 ) روي عن مجاهد ، عن ابن عباس قال : كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يعلّم قينا ( أي : حدّادا ) بمكة ، وكان اسمه « بلعام » وكان أعجميّ اللّسان ، وكان المشركون يرون رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يدخل عليه ويخرج من عنده ، فقالوا : إنّما يعلّمه بلعام ، فأنزل اللّه عزّ وجلّ الآية من سورة ( النحل ) .
( 2 ) وقال محمد بن إسحاق في السيرة : كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم - فيما بلغني - كثيرا ما يجلس عند المروة إلى غلام نصراني يقال له : جبر ، عبد لبعض بني الحضرمي .
وكذا قال عبد اللّه بن كثير ، وعن عكرمة وقتادة : كان اسمه « يعيش » .
وروي غير ذلك واللّه أعلم .
معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 364
مساهمون: عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني
ص٣٦٤