ويأتي فوقه ( العفو ) الذي يدلّ على معنى محو الأثر ، ويأتي فوقه ( رفع الجناح ) الذي يدلّ على اعتبار الذنب كأن لم يكن ، ويأتي فوقه ( تبديل السيّئات حسنات ) وهذا أعلى المراتب التي يتفضّل اللّه بها على عباده « 1 » .
ويظهر أنّ الذين كفروا لم يكونوا إبّان نزول سورة ( الفرقان ) يشيرون إلى أحد من الناس ، يزعمون أنّه يملي على محمد صلّى اللّه عليه وسلّم أساطير الأوّلين من كتب أهل الكتاب ، لذلك لم يتعرّض النصّ هنا إلى الحديث عنهم ، لكشف سقوط ادّعاء الذين كفروا ، إذ ينسبون إليهم أنّهم يملون على الرسول ما لديهم من مكتوبات الأوّلين .
لكنّهم بعد مدّة من الزمن وجدوا لأنفسهم ذريعة ، حين رأوا الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم ربّما مرّ لبعض مصالحه على بعض أهل الكتاب في مكّة ، فكرّروا مقالتهم ، وذكروا اسم أعجميّ جلس عنده الرسول أحيانا يدعوه إلى دين اللّه ، فأنزل اللّه عزّ وجلّ قوله في سورة ( النحل / 16 مصحف / 70 نزول ) :
وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ
( 103 ) .
وقد نزل بعد سورة ( الفرقان ) وقبل سورة ( النحل ) سبع وعشرون سورة مكيّة .
يلحدون إليه : أي : يميلون إلى ادّعاء أنّه هو الذي يعلّمه ، بعد أن ألقوا قولهم السابق جزافا ، دون أن يستطيعوا الإشارة إلى واحد بعينه .
وفي اختيار عبارة « يلحدون » في هذه المناسبة براعة إلماحيّة ، تفيد أن ميلهم هذا إلحاد ، أي : دفن للحقّ وانحراف عن سواء السبيل .
هامش
( 1 ) انظر المثال الثاني من أمثلة القاعدة ( 18 ) من كتاب « قواعد التدبر الأمثل لكتاب اللّه عزّ وجلّ » للمؤلف .