والذين يقدّسون المادّة والقوانين الطبيعيّة ، ويجعلون لها ما للّه عزّ وجلّ من خلق وتقدير ، ويكفرون بالربّ الخالق العليم الحكيم القدير الحيّ المريد الذي يفعل ما يشاء ويختار ، هم مادّيون أو دهريون ملحدون يجحدون اللّه عزّ وجلّ ، وهؤلاء لا يجعلون للّه شريكا أو شركاء ، وإنّما يكفرون باللّه كفرا كليّا ، ويجعلون ما للّه من ربوبيّة ، لأنظمته وسننه التي وضعها هو في كونه ، أو للعناصر المادّيّة التي خلقها هو سبحانه ، وهو مالكها والمسيّر لها والمتصرف فيها بحكمته في مقاديره ، وهو الممسك لها في الوجود لئلّا تزول ، ولو رفع عنها الإمساك في الوجود لزالت ، ولعادت كما كانت عدما .
ولمّا كانت الآية تتحدّث عن واقع حال المشركين الوثنيّين الذين كانوا هم الأكثريّة الغالبة في غير المؤمنين ، جاء فيها وصف آلهة المشركين بأنّهم لا يخلقون شيئا ، وهم يخلقون ، ولا يملكون لأنفسهم ضرّا ولا نفعا ، ولا يملكون موتا ولا حياة ولا نشورا .
لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً :
أي : لا يوجدون شيئا ما صغيرا أم كبيرا من العدم ، لأنّ اللّه لم يعط أحدا من خلقه شيئا من ذلك ، ولا يستطيعون صنع شيء ممّا مكّن اللّه منه بعض خلقه بقانونه القدري ، إلّا بتمكين اللّه وإرادته وإذنه ، فلو فعلوا شيئا لم يكونوا خالقين له حقيقة ، بل اللّه يخلقه وهم متّخذو أسباب ، وأعمالهم أعمال تحويليّة بتمكين اللّه إيّاهم ، وخلقه لقدراتهم .
ولمّا كان المتحدّث عنهم يعبدون أوثانا هي رموز لما يعبدون من ورائها ، فإنّ أوثانهم لا تفعل شيئا مطلقا ، لا على سبيل الخلق الحقيقيّ ، ولا على سبيل السّببيّة ، إنّما هي في الحقيقة عبادة لأوهام يصطنعونها في مخيّلاتهم ، ويفترونها على الحقيقة افتراء .