ويلزم عقلا أنّه لا يكون له هذا الملك إلّا بوصف كونه هو الخالق وحده ، وهو الرب وحده لكل ما سواه ، ويلزم من هذا أيضا أنّه لا ولد له في الوجود قد انفصل عن ذاته ، لأنّ كلّ ما سواه ملكه ، والمنفصل عن الذات هو جزء منها فهو شريك .
وتبارك الذي لم يتّخذ ممّن خلق من عباده ولدا ، لاستغنائه بذاته عن اتخاذ الولد .
وتبارك الذي خلق كلّ شيء في الوجود من دونه ، إبداعا على غير مثال سبق ، بعظيم قدرته ، على وفق علمه وإرادته المختارة ، وحكمته البالغة ، فقدّر كلّ صغير وكبير ممّا خلق بالإيجاد التنفيذي الذي هو أثر قدرته العظيمة ، تقديرا بالغ الدّقّة والإتقان والإحكام ، على وفق ما كان قد حدّده بإرادته وحكمته ، وقدّره وقضاه بعلمه وإرادته .
فاشتملت هذه الآية على أربع قضايا :
القضية الأولى : أنّ الذي نزّل الفرقان على عبده له ملك السّماوات والأرض ( وهذه قضية تشتمل على تفرد اللّه بالربوبيّة ) .
القضية الثانية : أنّه سبحانه لم يتّخذ ولدا ( وهذه قضيّة تشتمل على تنزيه الرّب الخالق عمّا افتراه عليه الذين جعلوا له ممّا خلق ولدا ) .
القضية الثالثة : أنّه سبحانه ليس له شريك في الملك ( وهذه القضيّة تشتمل على تنزيه الرّب عن أن يكون له شريك في ربوبيته ، وتنزيهه عن أن يكون له شريك في إلهيّته باللّزوم العقلي ) .
القضية الرّابعة : أنّه تبارك وتعالى خلق كلّ شيء فقدره تقديرا دقيقا محكما دالا على علمه المحيط بكلّ شيء ، وحكمته البالغة ، وقدرته العظيمة ( وهذه القضية تلفت نظر المتفكرين إلى بعض آيات اللّه في كونه الدالّة على وجوده وعظيم صفاته ) .
معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 343
مساهمون: عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني
ص٣٤٣