تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 340

مساهمون:

ص٣٤٠
المعنى الأول : التقدير ، وهذا المعنى قد يكون من غير اللّه عزّ وجلّ ، بالتمكين القدري الذي يمنحه اللّه عباده ، ومنه قول اللّه عزّ وجلّ خطابا لعيسى عليه السّلام كما جاء في سورة ( المائدة / 5 مصحف / 112 نزول ) :
وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيها فَتَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِي . . .
( 110 ) . أي : وإذ تقدّر فتصوّر وتصنع وفق التقدير . المعنى الثاني : الإبداع والإيجاد من العدم ، على غير مثال سبق ، ويدخل التقدير لزوما في معنى الإبداع ، إذ لا يكون إبداع من دون تقدير للعناصر ، والأشكال ، والصور ، وكلّ ما يخضع للمقادير ، كذلك يفعل كلّ حكيم . ولمّا كان التقدير والتصوير والصّنع للأشياء من موادّ مكّن اللّه عزّ وجلّ عباده من أعمال ما فيها بتمكينه القدري في نظام الكون ، تسمّى خلقا في لسان العرب ، قال اللّه عزّ وجلّ في سورة ( المؤمنون / 23 مصحف / 74 نزول ) :
. . . فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ
( 17 ) . فنسب إلى غيره خلقا على هذا المعنى الذي مكّن عباده منه . أمّا الخلق بمعنى إبداع الأشياء وإيجادها من العدم المحض ، فهو من صفات الربّ عزّ وجلّ ، التي لا يشاركه فيها أحد ، ولم يعط اللّه أحدا من خلقه هذا التمكين . فالكائنات كلّها خلقه إبداعا وإيجادا من العدم ، فهي جميعها ملكه ، لا يشاركه فيها أحد ، وهذه هي وحدة اللّه عزّ وجلّ في ربوبيته . ووحدة الرّبوبيّة تستلزم عقلا وحدة الإلهيّة ، فالذي هو سبحانه الرّبّ