تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 242

مساهمون:

ص٢٤٢

تاسعا : [ ومن الفنون البلاغيّة الجميلة الخروج عن مقتضى الظاهر ]

ومن الفنون البلاغيّة الجميلة الخروج عن مقتضى الظاهر ، لداع أو أكثر من الدواعي ذات الوقع الجميل في نفوس البلغاء والأدباء . ( 1 ) فمن الخروج عن مقتضى الظاهر اختيار البدائل التعبيرية الملائمة للغرض البلاغي ، على خلاف ما تسبق إليه الأذهان . ومن أمثلة هذا النوع ما جاء في قول اللّه عزّ وجلّ :
وَلَوْ نَشاءُ لَمَسَخْناهُمْ عَلى مَكانَتِهِمْ فَمَا اسْتَطاعُوا مُضِيًّا وَلا يَرْجِعُونَ
( 67 ) : كان الظاهر الذي يسبق إليه الذهن أن يقال : فما استطاعوا مضيّا ولا رجوعا ، ولكن جاء البديل المختار :
وَلا يَرْجِعُونَ .
ولهذا الخروج عن مقتضى الظاهر داعيان : الداعي الأول : ترك نمطيّة التقابل المتناظر المألوفة في الكلام ، وفي هذا الترك إبداع معجب . الداعي الثاني : مراعاة رؤوس الآي ، الّذي فيه جمال التناظر عند النهايات . ( 2 ) ومن الخروج عن مقتضى الظاهر ما يسمّى « الالتفات » وهو في اصطلاح البلاغيين : التحويل في التعبير الكلاميّ من اتّجاه إلى آخر من جهات أو طرق الكلام الثلاث : « التكلّم - الخطاب - الغيبة » مع أنّ الظاهر في متابعة الكلام يقتضي الاستمرار على ملازمة التعبير وفق الطريقة المختارة أوّلا دون التحوّل عنها . ولا يكون هذا التحويل جميلا بديعا ، ما لم يكن لداع بلاغي يعبّر التحويل عنه . ومن الالتفات في السورة قول اللّه عزّ وجل في وصف الرسول محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم :
معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 242 | عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني