الناس ، هي من عناصر التّعليم الرّبّانيّ لهم ، لأنّها تقرن بدوافع وإلهامات تجعلهم يؤدّون مقتضياتها من أعمال ، وكلّ ذلك بخلق اللّه ، بعد قضائه المسبوق بقدره .
ولهذا قال اللّه عزّ وجلّ في سورة ( الرّحمن / 55 مصحف / 97 نزول ) :
خَلَقَ الْإِنْسانَ عَلَّمَهُ الْبَيانَ
( 4 ) .
أي : منحه الاستعداد الفطريّ ليبين عمّا في نفسه من المعاني والأحاسيس والأفكار ، بالمصطلحات اللّغويّة القولية .
وقال في سورة ( العلق / 96 مصحف / 1 نزول ) :
اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ ( 3 ) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ ( 4 ) عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ
( 5 ) .
أي : علّم جلّ جلاله باستخدام القلم ، كثيرا من المعارف لمن جعل في فطرهم الاستعداد لاكتساب العلوم بوسائلها ، ومنها وسيلة القلم ، وهو الذي يخلق فيهم العلم بما يعلّمهم إيّاه عن طريق قنوات الوسائل .
ولهذا لم يكن الرّسول محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم من قارضي الشّعر ، لا قبل النبوّة ولا بعدها ، وليس ذلك لأنّ القدرة على قرض الشّعر منقصة في الإنسان ، بل هي هبة من اللّه جلّ جلاله لبعض عباده .
ولكن لم يمنح اللّه جلّ جلاله رسوله محمّدا صلّى اللّه عليه وسلّم الاستعداد الفطريّ لقرض الشّعر لحكمة تتعلّق برسالته ، وهي سدّ ذريعة الّذين لا يؤمنون بدعوته ، ولئلا يجدوا رواجا لاتّهامهم له بأنّه شاعر ، وبأنّ النّزعة الشّعريّة هي الّتي جعلته يتخيّل تخيّلات النبوّة ، والتّفوّق في صناعة البيان الرّفيع ، مع ما في نفوس معظم الشعراء من الاستعداد للدّخول هائمين في كلّ واد من أودية الكلام ، مهما كان واديا سحيقا هابطا إلى مواطن غير أخلاقيّة ، فيها الكذب ، والهجاء الفاحش ، والثناء بغير حقّ ، والاستجداء ، والتّغزّل بالعفيفات الشريفات ، الذي يشعر برضاهنّ ، وبأنّهنّ يشاركن الشاعر الهوى ، ولهنّ معه لقاءات غير محمودة .