قالوا : فنقول : ساحر .
قال : ما هو بساحر ، لقد رأينا السّحّار وسحرهم ، فما هو بنفثهم ولا عقدهم .
قالوا : فما نقول يا أبا عبد شمس ؟
قال : واللّه إنّ لقوله لحلاوة ، وإنّ أصله لعذق « 1 » ، وإنّ فرعه لجناة « 2 » .
وفي رواية ذكرها ابن هشام : وإنّ أصله لغدق « 3 » .
وما أنتم بقائلين من هذا شيئا إلّا عرف أنّه باطل ، وإنّ أقرب القول فيه ، لأن تقولوا : ساحر ، جاء بقول هو سحر ، يفرّق به بين المرء وأبيه ، وبين المرء وأخيه ، وبين المرء وزوجته ، وبين المرء وعشيرته .
فتفرّقوا عنه بذلك ، فجعلوا يجلسون بسبل الناس حين قدموا الموسم ، لا يمرّ بهم أحد إلّا حذّروه إيّاه ، وذكروا له أمره .
ويبدو أنّ اتّهامه بأنّه ساحر ، لم يصدّ النّاس عن التأثّر بالقرآن الّذي يتلوه ، فلم يجدوا ذريعة إلّا أن يتّهموه بأنّه شاعر يقول لونا من ألوان الشّعر لا يعرفونه ، وكان هذا تهامسا لم يبلغ أن يكون إشاعة سائرة ، بدليل أنّ النصّ في سورة ( يس ) لم يأت فيه التّصريح باتّهامهم له بأنّه شاعر ، ولا بأنّ القرآن هو لون من ألوان الشعر ، ولم يأت فيما نزل من القرآن قبل سورة ( يس ) تصريح ولا إشارة إلى مثل هذا الاتّهام ، لكنّ قول اللّه عزّ وجلّ في سورة ( يس ) :
وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وَما يَنْبَغِي لَهُ .
هامش
( 1 ) العذق : النخلة بحملها ، يشبّه القرآن بالنخلة المثمرة .
( 2 ) لجناة : أي : لثمرة عظيمة طيبة .
( 3 ) لغدق : أي : لكثير الماء .