ولا يمكن أن يكون جبرا ، فالابتلاء الصّحيح لا بدّ أن يكون مصحوبا بحرّيّة الإرادة ، وحرّية الاختيار .
وقد اقتضت الحكمة في الدّعوة توجيه هذا البيان ، لتهدئة نفوس كبراء المشركين ، المتوجّسة من تفاقم توسّع القاعدة البشريّة العريضة ، من المستجيبين إلى الإسلام والدّخول فيه ، ولطمأنتهم بأنّ الدّعوة لا تعدّ لحرب عسكريّة مسلّحة ضدّ خصومها وأعدائها ، ولبيان حقيقة أنّ الدّين لا يكون بالجبر ، ولا بالإكراه ، أمّا الجبر فيكون بسلب الإرادة الحرّة ، وأمّا الإكراه فيكون بالقسر والقهر مع رفض الإرادة وإبائها ، وكلاهما مرفوضان في الدّين .
واقتضى حال المشركين الّذين أخذوا يتجمّعون ضدّ الرّسول ودعوته ، وضدّ الّذين آمنوا به واتّبعوه ، أن يبيّن لهم أنّه يخشى عقاب اللّه عزّ وجلّ ، إذا لم يؤدّ رسالاته ، ولم يبلّغ ما أمره اللّه بتبليغه للنّاس ، وأن يبيّن لهم أنّ عقاب اللّه إذا نزل به ، فإنّه لن يجيره منه أحد ، وأنّه لا يجد للتّخلّص منه ملجأ يلتجئ إليه ، فجاء في التّعليم الرّبّانيّ :
قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَداً
( 22 ) .
واقترن بهذا التعليم استثناء يؤكّد مضمونه ، وهو من فنّ تأكيد الفكرة بما يوهم في بدء الكلام الاستثناء منها ، فجاء في التعليم :
إِلَّا بَلاغاً مِنَ اللَّهِ وَرِسالاتِهِ . . .
( 23 ) .
أي : إنّ الّذي يملكه لهم وينجيه من عذاب اللّه هو أن يتابع تبليغ ما يأمره اللّه بتبليغه للنّاس ، وأن يؤدّي الرّسالات الّتي يأمره اللّه عزّ وجلّ بأن يوصلها للناس .
واقتضى هذا الأمر تحميلهم مسؤوليّاتهم تجاه ربّهم ، وإنذارهم بعقاب اللّه ، إذا عصوا اللّه ورسوله المبلّغ عنه ، فجاء في البيان الرّبّانيّ :