ولا بدّ أن يكونوا قد أمروه بأن يكفّ عن تبليغ رسالات ربّه ، تخوّفا منهم أن تتحوّل السّيادة والرّياسة إلى محمّد والّذين آمنوا به واتّبعوه ، ويؤيّد هذا ما ذكره كتّاب السّيرة النّبويّة ورواتها .
لكن كان هذا منهم تدخّلا في أعظم قضيّة دينيّة لا يملكون منها شيئا ، وهي في الحقيقة مشاركة للّه عزّ وجلّ في ربوبيّته ، ومعلوم أنّ الدّاعي إلى سبيل ربّه إنّما يعبد اللّه في دعوته ، فإذا أطاع الكافرين في ترك هذه العبادة ، فقد رضي بأن يجعلهم شركاء للّه في ربوبيّته .
والجواب المناسب لتدخّلهم في خصائص ربوبيّة الرّبّ جلّ جلاله أن يقول لهم ، كما جاء في تعليم اللّه لرسوله :
. . . إِنَّما أَدْعُوا رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِهِ أَحَداً
( 20 ) :
أي : لا أعبد في دعوتي إلى سبيل ربّي إلّا ربّي وحده ، ولا أشرك بعبادتي له أحدا ، وإنّي لست أعبدكم ، ولست أعبد آلهتكم الباطلة ، ولست أجعل أحدا شريكا لربّي ، حتّى أطيعه في أمر أعصي فيه أمر ربّي .
وهنا يقول لسان حالهم له : إذن فأنت تهيّئ أسبابك ووسائلك لمحاربتنا ، وانتزاع سلطتنا منّا ، وإكراهنا على اتّباعك واتّباع الدّين الذي جئتنا به .
فاقتضى هذا الأمر أن يقول لهم كما جاء في تعليم اللّه لرسوله :
إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا رَشَداً
( 21 ) :
أي : إنّي لا أملك وسائل مادّيّة أضرّكم بها ، حتّى أوقف إيذاءكم لي ، وعدوانكم على الّذين آمنوا بي واتّبعوني .
وإنّي لا أملك أيضا وسائل إكراه وجبر حتّى تقبلوا ديني الذي أدعوكم إليه ، فاللّه عزّ وجلّ لم يأذن لأحد من رسله بذلك ، إذ الدّين لا إكراه فيه ،