وبعد أن أتمّوا وصف حالهم الّتي كانوا عليها ، قبل أن يسمعوا القرآن ويؤمنوا بهداه ، لا بدّ أن ندرك أنّهم ملكوا لدى فريق من الّذين ينشرون دعوة الإسلام بينهم إمكانيّة التأثير فيهم .
عندئذ أبانوا أنّ هذا الّذي عرضوه قد كوّن لديهم قناعة كافية بضرورة الإيمان بمحمّد صلى اللّه عليه وسلم ، وبما جاء به ، فآمنوا ، وقالوا :
وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدى آمَنَّا بِهِ فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلا يَخافُ بَخْساً وَلا رَهَقاً
( 13 ) .
وهنا ندرك أنّ فريقا من الجنّ استجابوا لدعوة هؤلاء النّفر ، تأثّرا بأقوالهم الصادقة ، فأسلموا واتّبعوا الهدى ، وأنّ فريقا آخرين أبوا أن يستجيبوا ، كشأن كلّ ذوي الإرادات الحرّة ، فكان من حال هؤلاء الّذين أبوا أنّهم جاروا وعدلوا عن السّبيل الحقّ ، متّبعين أهواءهم ، وملتزمين ضلالاتهم .
ثمّ ندرك أنّ هؤلاء النّفر من الجنّ ، تابعوا دعوتهم بين قومهم بعد ما انضمّ إليهم الّذين استجابوا لهم ، وآمنوا بمثل ما آمنوا به ، وأسلموا للّه ربّ العالمين .
فأضافوا إلى مقالاتهم السّابقات مقالة جديدة ، حكاها اللّه عزّ وجلّ عنهم بقوله :
وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقاسِطُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولئِكَ تَحَرَّوْا رَشَداً ( 14 ) وَأَمَّا الْقاسِطُونَ فَكانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَباً
( 15 ) .
وبهذا انتهى الدرس الأوّل من دروس السورة .
وهنا دخل الدرس الثاني من كلام اللّه بيانا ، لا على سبيل الحكاية لمقالات النّفر من الجنّ ، وجاءت قضاياه معطوفة بحرف العطف ( الواو )