وعرضوا من أحداث ضلالات الإنس أنّ رجالا منهم كانوا يعوذون برجال من الجنّ الّذين كانوا لا ينفعونهم ، بل يزيدونهم أثقالا مرهقة ومتاعب .
وعرضوا أيضا من ضلالات الإنس المماثلة لضلالات الجنّ ، إنكارهم البعث للحساب وفصل القضاء وتحقيق الجزاء يوم الدين ، اعتمادا على الظّنّ التوهّميّ الباطل .
وبعد هذا العرض انتقلوا إلى بيان سبب تحوّلهم وبحثهم عن الحقيقة .
فذكروا أنّهم صعدوا إلى السّماء كعادتهم ، إذ هم من الجنّ الطّيّارين ، ليسترقوا السّمع من الملائكة ، فلمّا لمسوا السّماء ، وجدوها قد ملئت حرسا شديدا وشهبا ، وأنّها صارت محروسة كلّ المنافذ والمقاعد .
وأنّهم أخذوا يفكّرون في أسباب هذه الظّاهرة الجديدة ، أهي لشرّ وإهلاك أريد بأهل الأرض ، أم أراد بهم ربّهم رشدا ، إذ منع الشّياطين الّذين يسترقون السّمع من السّماء ، لنقل الأخبار إلى أوليائهم من الإنس ، حتى يقطع دابر الكهانة ، الّتي كانت تضلّ كثيرا من الناس ؟
وأجابوا على سؤال يمكن طرحه على إيرادهم الاحتمالين على سبيل التكافؤ ، بأنّ الجنّ فيهم الصالحون من الدّرجة الممتازة ، وحال هؤلاء لا يستدعي إنزال الإهلاك الشامل ، وفيهم دون الصّالحين حتّى أخسّ دركات الكفر والإجرام ، وحال هؤلاء قد يستدعي الإهلاك الشامل .
فتكافأ الاحتمالان في نظرهم .
وعلى تقدير احتمال الإهلاك الشامل ، فهل هم قادرون على حماية أنفسهم ، في ملاجئ من الأرض ، أو حماية أنفسهم بالهرب في الآفاق بعيدا عن الأرض ، وهم من الجنّ الطيّارين ؟ ! لكنّهم ظنّوا ظنّا راجحا أنّهم لن يعجزوا اللّه في الأرض ، ولن يعجزوه هربا في اتّجاه السّماء .
معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 649
مساهمون: عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني
ص٦٤٩