تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 636

مساهمون:

ص٦٣٦

نظرات شاملات إلى مفهوم الغيب :

الغيب : كلمة تطلق على كلّ شيء غاب عن إدراك حواس الخلائق كلّهم أو بعضهم ، أمّا اللّه سبحانه فلا شيء في الوجود كلّه هو غيب بالنسبة إليه ، بل كلّ ما في الوجود هو من عالم الشهادة بالنسبة إليه . ويدخل في الغيب ما تدركه العقول دون الحواسّ ، فإدراك العقول له لا يخرجه من عالم الغيب إلى عالم الشّهادة ، ولهذا كان التّصديق بأركان الإيمان من الإيمان بالغيب ، مع أنّها أمور تدرك بالعقول ببراهين قطعيّة . ولمّا خلق اللّه - جلّ جلاله وعظم سلطانه - المخلوقات ذوات الإدراكات الحسّيّة ، جعل حوّاسّها قاصرة عن إدراك كلّ ما في الوجود ، ولو كان حولها مباشرة ، أو داخلا في ذواتها ، وجعلها متفاضلة في إدراكاتها الحسّية . فبعض الخلائق تدرك بحواسّها موجودات لا تدركها خلائق أخرى بحواسّها ، من نوعها أو من جنسها ، أو من غير نوعها وجنسها ، وهذه حقيقة ثابتة علميّا ، ومشاهدة في عوالم الأحياء . فما يدركه المخلوق من الموجودات الحسيّة بحاسّة من حواسّه الظّاهرة ، بطريقة مباشرة يعتبر بالنّسبة إليه من عالم الشهادة ، وما لا يدركه منها بحاسّة من حواسّه الظّاهرة بطريقة مباشرة ، يعتبر بالنّسبة إليه من عالم الغيب . من أجل هذا نلاحظ أنّ ما هو من عالم الغيب بالنّسبة إلى بعض المخلوقات ، هو من عالم الشهادة بالنّسبة إلى مخلوقات أخرى ، هذه الحقيقة تنطبق على أصناف المخلوقات ، وأنواعها ، وأجناسها ، وتنطبق أيضا على أفراد الصّنف الواحد أو النّوع الواحد ، أو الجنس الواحد ، فبعض الأفراد قد يهبه الله مزيدا من قوى الإدراك الحسّيّ ، وبه يدرك إدراكا مباشرا