ومن فقد الإدراك والإحساس ، وهو في الأصل جسم نام مدرك ذو حواسّ ظاهرة وباطنة ، صار كشجرة مجثوثة لا حياة فيها ، وقد يبست بمرور الزّمن ، فهي قطعة من الحطب الّذي توقد به النار .
وقد فهم هؤلاء النّفر من الجنّ ، أنّ الكّافرين منهم الذين يجورون فلا يتّبعون صراط اللّه المستقيم ، يعذّبون في جهنم ، ممّا سبق أن أنزله اللّه من قرآن قبل إنزال سورة ( الجنّ ) .
فقد جاء في بعض السّور النازلة قبلها أنّ الجنّ يعذّبون في نار جهنّم كالإنس ، إذا اختاروا لأنفسهم في الحياة الدنيا أن يكونوا كافرين ، على أيّ مذهب من مذاهب الكفر بالحقّ ، وبما أنزل اللّه لعباده ، وفق آخر تنزيل أنزله إليهم .
ويلاحظ في عبارة :
فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولئِكَ تَحَرَّوْا رَشَداً ( 14 ) وَأَمَّا الْقاسِطُونَ فَكانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَباً
( 15 ) ما يسمّى عند علماء البلاغة الاحتباك ، وهو الحذف من الأوائل لدلالة الأواخر ، والحذف من الأواخر لدلالة الأوائل .
إذ المعنى في هذه العبارة :
فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولئِكَ تَحَرَّوْا رَشَداً
فكانوا من أهل الجنة دار النعيم ينعمّون فيها يوم الدين
وَأَمَّا الْقاسِطُونَ
فاتّبعوا غيّا ولم يتحرّوا رشدا
فَكانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَباً
يعذّبون فيها .
وبهذا ينتهي الدرس الأول من دروس السورة الثلاثة والحمد للّه على فتحه وتوفيقه ولا حول ولا قوّة إلّا باللّه
* * *