والنفسيّ ، والخلقيّ ، والعمليّ ، الموافق للحقّ والصّواب ، أو لما هو الأفضل والأحسن والأكثر نفعا والأبعد عن الضّرّ والأذى .
ويفهم من تحرّي الّذين أسلموا الرّشد ، أنّهم يجتهدون مدققين في قصد والتزام ما يحقّق لهم السّعادة العاجلة والآجلة يوم الدّين ، وهذه السّعادة إنّما تتحقّق لهم بالإيمان بالحقّ ، والأخذ بالصواب والعمل الصالح .
ولوحظ في اسم الموصول في عبارة :
فَمَنْ أَسْلَمَ
معنى الجمع فأشير إليه باسم الإشارة
فَأُولئِكَ .
وَأَمَّا الْقاسِطُونَ فَكانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَباً
( 15 ) : أي : وأمّا الجائرون بعدم إسلامهم ، وهم الّذين عدلوا عن سلوك سبيل الهدى ، وهو صراط اللّه المستقيم ، إذ لم يؤمنوا بما أنزل اللّه عزّ وجلّ على رسوله ، بل أصرّوا على ما كانوا عليه من ضلالاتهم السّابقات ، وشركيّاتهم وكفريّاتهم المختلفات ، فجعلوا أنفسهم باختيارهم الحرّ مستحقّين لأن يكونوا لجهنّم يوم الدّين ، بمثابة الحطب الّذي يعدّ لتوقد به النّار ، أو ليزيد به وقودها .
وهذا من التشبيه البليغ ، إذ حذفت منه أداة التشبيه ووجه الشّبه .
إنّهم سوف يطرحون ويكبّون في جهنّم كما يطرح ويكبّ الحطب في النار .
فالنار تزيد وقودا بأجسادهم ، وكلّما احترقت جلودهم ونضجت ، بدّلهم اللّه جلودا غيرها ليذوقوا العذاب .
وفي تشبيههم بالحطب دلالة أخرى ، وهي أنّهم بجحودهم للحقّ ، ورفضهم أن يستجيبوا لنداء ربّهم في كتابه المنزّل ، وإبائهم أن يتّبعوا الهدى ، ويسلكوا الصراط المستقيم ، صاروا كمن فقد قوى الإدراك فيه ، ثمّ فقد قوى الإحساس الباطنة والظّاهرة ، فصار لا يؤثّر فيه التّخويف والترهيب من عذاب اللّه في النار ، ولا يؤثّر فيه الإطماع والترغيب في نعيم اللّه الخالد في الجنّة .