فأبان هؤلاء النفر في دعوتهم لقومهم من الجنّ ، أنّهم لمّا سمعوا القرآن وما اشتمل عليه من الهدى ، آمنوا به ، إذ رأوه حقّا وداعيا إلى صراط مستقيم ، ويهدي إلى الرّشد .
اتّخذوا الأسلوب المؤثر الحكيم بالحديث عن أنفسهم لدى دعوتهم قومهم إلى الإيمان والإسلام ، والاهتداء بهدي القرآن .
القضية السادسة عشرة :
دلّت عليها عبارتهم :
فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلا يَخافُ بَخْساً وَلا رَهَقاً
( 13 ) :
هذا البيان من هؤلاء النفر من الجنّ أبان أنّهم حملة رسالة دعوة في قومهم ، إلى الإيمان بالرّبّ جلّ جلاله إيمانا كاملا ، وهذا الإيمان الكامل الصحيح يستلزم الإيمان بكلّ ما جاء عن اللّه ، وبكل ما أمر بالإيمان به ، والإيمان يستلزم إعلان الطاعة والإسلام للّه عزّ وجلّ باستلام كامل .
فَلا يَخافُ بَخْساً :
أي : فلا يخاف نقصا من أجر إيمانه ولوازم إيمانه . ولا يخاف ظلما . بل يوفّيه اللّه أجره على إيمانه ، إذ هو جلّ جلاله كريم لا يخلف الميعاد .
البخس : هو في اللّغة النقصان والظّلم ، يقال لغة : بخس فلان فلانا ، أي : ظلمه بنقصان من حقّه الّذي هو له .
وَلا رَهَقاً :
الرّهق يأتي للدّلالة على معان متعدّدة ، سبق بيانها لدى تدبّر الآية ( 6 ) من هذه السورة ، وأنسبها لما جاء هنا في عبارة :
وَلا رَهَقاً
ولا يخاف أن يحمّل ما لا يطيق .
قال الأزهري في هذه الآية : الرّهق اسم من الإرهاق ، وهو أن يحمل عليه ما لا يطيق .
أقول : إنّ الإيمان بالخالق الرّبّ - جلّ جلاله وعظم سلطانه - يستلزم