وبعد التّفكير المتأنّي غلب على ظنّهم ، أنّهم لن يعجزوا اللّه إذا أراد معاقبتهم والانتقام منهم ، لا بالمقاومة والمصارعة ، ولا باتخاذ الملاجي والواقيات ، ولا بالهرب إلى أماكن آمنة .
وكان هذا الظنّ منهم ظنّا راجحا لم يبلغ مبلغ اليقين ، إذ هم يحدّثون عمّا كانوا عليه قبل استماع القرآن من الرسول ، وقبل الإيمان به وبالرّسول وبكل ما جاء به عن ربّه .
وسبق إلى أذهان بعض المفسّرين أنّ هؤلاء النفر من الجنّ يحدّثون عن حالهم بعد استماع القرآن وبعد الإيمان به ، ففسّروا الظّنّ هنا بمعنى العلم واليقين ، وقد نظرت متفكّرا في استعمالات مادة الظّنّ هنا بمعنى العلم واليقين ، وقد نظرت متفكّرا في استعمالات مادة الظّنّ في القرآن مع الاستقراء التامّ ، فثبت لديّ أنّه لم يستعمل الظّنّ في آياته إلّا بما هو دون اليقين ، ونزولا حتّى الظّنّ الضعيف المرفوض ، الّذي لا يصح الأخذ به بوجه من الوجوه . أمّا الظّنّ المقبول فهو الظّنّ الراجح ، ويصحّ العمل به حتّى يأتي ما هو أرجح منه وأقوى دليلا .
وفي إعلان هؤلاء النفر من الجنّ عمّا كانوا عليه قبل أن يؤمنوا ، وهم يقومون بدعوة قومهم إلى الإيمان بهذا الدّين الذي جاء به رسول اللّه محمّد صلى اللّه عليه وسلم ، استخدام للأسلوب الحكيم في دعوتهم ، إذ أعلنون تدرّجهم في الاقتناع ، حتى بلغوا إلى اليقين فآمنوا ، وهذا الأسلوب من أنجح الأساليب الحكيمة المؤثّرة في المدعوّين ، لأنّ طبائع النفوس في التدرّج إلى الإيمان بالحقّ متشابهة .
القضيّة الخامسة عشرة :
دلّت عليها عبارتهم :
وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدى آمَنَّا بِهِ . . .
( 13 ) :
قرئ كما سبق بيانه مع نصّ السورة بفتح همزة : وأنا لما وبكسرها ، وقد سبق توجيه القراءتين في نظيرتيهما في القضية الخامسة .