تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 571

مساهمون:

ص٥٧١
فأبان هؤلاء النّفر من الجنّ بمقالتهم هذه أنّ سفيههم إبليس وكلّ من استجاب له ، واتّبع كفره بربّه ، كان يقول على اللّه قولا شططا ، أي : بعيدا عن الحقّ جائرا . وظاهر أنّ كلّ قول بعيد عن الحقّ هو باطل وكذب ، ومعلوم أنّ كلّ باطل وكذب ينسب إلى اللّه هو كفر بذاته أو بصفاته ، أو بحقّ ربوبيّته أو إلهيّته . قرئ كما سبق بيانه مع نصّ السّورة بفتح همزة وأنه وبكسرها ، وسبق توجيه القراءتين في نظيرتيهما في القضيّة الخامسة . الشّطط : هو في اللّغة البعد ، وتجاوز الحدّ ، والجور ، وكلّ ما بعد ، وتجاوز حدود الحق ، وجار عن الطريق السّويّ ، فهو باطل ، وهو في الأخبار كذب .
كانَ يَقُولُ سَفِيهُنا
هو من التنازع عند النحويّين ، فيجوز عندهم أن يكون لفظ « سفيه » من
سَفِيهُنا
اسم
كانَ
أو فاعل [ يقول ] ويقدّر للآخر ضمير ملائم . أقول : هذا من الإيجاز في اللّفظ ، ويمكن اعتبار جملة
يَقُولُ سَفِيهُنا عَلَى اللَّهِ شَطَطاً
سادّة مسدّ اسم كان وخبرها . السّفيه : هو في اللّغة ناقص العقل ، الّذي لا يحكم أمره برشد ، فيجانب الحقّ والصّواب وسبيل الهدى . وإبليس إمام سفهاء الجنّ ، إذ عرّض نفسه للطّرد من رحمة اللّه ، ومنازل القرب من ربّه ، وللعذاب الأبديّ ، والشقاء الدائم ، إرضاء لنزعة الكبر والحسد في نفسه ، إذ رفض أمر ربّه له بأن يسجد لآدم ، وجحد حقّ اللّه على عباده في طاعته بما يشاء .