رسالته تزيد على تسع سنين ، كما تدلّ أحداث السّيرة المحمّديّة ، وقد نزلت عليه أربعون سورة دون أن يكون له اتصال بالجنّ ، وأعلمه اللّه في سورة ( الجنّ / 40 نزول ) بأنّ نفرا منهم استمعوا القرآن منه وهو يتلوه ، فقالوا ما حكى اللّه عنهم في هذه السورة .
ثم أعلمه في سورة ( الأحقاف / 66 نزول ) بأنّه صرف نفرا من الجن عمّا كانوا فيه ، وبعثهم إليه ، ليتبلّغوا الدّين ، ويرجعوا إلى أقوامهم مبلّغين دعاة ومعلّمين فمنذرين ، وكان هذا في الثّلث الأخير من المرحلة المكيّة .
القضية الثالثة : إعلام اللّه الناس عن طريق تكليف رسوله ، بأنّ الجنّ مخلوقون في ظروف الحياة الدّنيا للابتلاء ، كما أنّ الإنس مخلقون في ظروف الحياة الدّنيا أيضا لهذه الحكمة ، وأنّ الدار الآخرة لهما هي دار الحساب ، وفصل القضاء ، وتنفيذ الجزاء ، وأنّ الجنّ مكلّفون أن يستمعوا آيات اللّه المنزّلات ، ليعلموا ما هو مطلوب منهم في رحلة ابتلائهم كالإنس .
ولهذا جاء نفر من أشرافهم لاستماع القرآن ، وليقوموا بتبليغ أقوامهم هذا الدّين الّذي ختم اللّه به رسالاته لأهل الأرض .
وما جاء في سورة ( الأحقاف / 46 مصحف / 66 نزول ) تضمّن أنّ اللّه عزّ وجلّ اصطفى نفرا مختارين من الجنّ فصرفهم عن اتجاهاتهم وأعمالهم السّابقات الّتي كانوا مشتغلين بها ، وأرسلهم إلى الرّسول محمّد صلّى اللّه عليه وسلم ، بوسيلة لم يذكرها اللّه لنا ، ليتبلّغوا القرآن منه ، وليرجعوا إلى أقوامهم مبلّغين دين اللّه الخاتم ، الّذي أنزله إلى الإنس والجنّ ، ومنذرين بعذاب اللّه من لم يستجب من الجنّ لدعوة هذا الدّين العامّ الشّامل الذي اصطفى اللّه عزّ وجلّ لتبليغه خاتم الأنبياء والمرسلين من الإنس ، وهو أفضل رسل اللّه وأنبيائه أجمعين .
معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 563
مساهمون: عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني
ص٥٦٣