تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 562

مساهمون:

ص٥٦٢
أقوالهم ، فيه مزيد تأكيد بأن يعلم النّاس بوفد الجنّ وأقوالهم الإيمانيّة . ونستفيد من هذه العبارة القرآنيّة الّتي بدأ اللّه بها سورة ( الجنّ ) عدّة قضايا : القضيّة الأولى : أنّ اللّه عزّ وجلّ يبلّغ المؤمنين بحادثة حضور نفر من الجنّ إلى الرسول صلى اللّه عليه وسلم ، واستماعهم القرآن من تلاوته ، بأسلوب غير مباشر ، مع تبليغ الرسول بطريقة مباشرة ، فيتحقّق بهذا تبليغان ، أحدهما من قبل اللّه ، والآخر من قبل الرسول . ومعلوم أنّ ما يأمر اللّه به رسوله أن يقوله يتضمّن بلاغا من اللّه للمؤمنين . القضيّة الثانية : إبعاد الشّبهة الّتي كان قد طرحها في بدء رسالة الرّسول بعض المشركين ، بأنّ الوحي الّذي كان ينزل عليه هو رئيّ « 1 » من الجنّ ، كان يأتي إليه فيحدّثه ، إذ دلّت سورة ( الجنّ ) على أنّ أوائل وفود الجنّ لاستماع القرآن منه ، وتلقّي معارف الدّين عنه ، لم يكن الرّسول يعلم بوفادتهم إليه ، إذ لم يسبق له أن كان له مع الجنّ لقاء ، لا قبل النّبوّة ولا بعدها . والحكمة من هذا أن لا يختلط على النّاس الأمر ، ويحدث في قلوبهم الشّكّ ، فيخلطوا بين رسول اللّه من الملائكة وهو جبريل عليه السلام ، وبين لقاءات الرّسول للجنّ ، فجبريل ملك يبلّغ عن اللّه عزّ وجلّ ، والجنّ عباد ممتحنون مكلّفون متلقّون متعلّمون من الرّسول كالإنس ، ولهذا لم يهيّئ اللّه لرسوله محمّد صلّى اللّه عليه وسلم أن يلتقي الجنّ قبل الرسالة ، مع استعداده الفطريّ لذلك ، ولم يهيّئ له أن يلتقيهم بعد الرسالة حتّى مضت مدّة من
هامش
( 1 ) الرّئيّ : بفتح الراء وكسرها ، الجنيّ يعرض للإنسان ويخبره بما يزعم أنّه من الغيب .