بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ
( 55 ) تدلّ هذه العبارة على مطويّ يكشفه حسن التدبّر .
إنّ لوطا عليه السلام لمّا شدّد النكير على قومه ، ولا سيّما إنكاره قبيحة حضورهم ومشاهدتهم بأبصارهم ممارسات بعضهم إتيان الرّجال منهم ، ردّوا عليه بقولهم مثلا : لسنا شاذّين في أعمالنا هذه عن سائر الأقوام ، فكلّ الأقوام يفعلون مثل ما نفعل ، فقال لهم لوط عليه السّلام :
بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ
( 55 ) :
أصل الجهل مأخوذ من قولهم : جهلت القدر تجهل جهلا ، أي :
اشتدّ غليانها ، وهو ضدّ تحلّمت .
ويقال لغة : جهل فلان على غيره ، أي : جفا وتسافه .
ويطلق الجهل بمعنى عدم العلم بالشيء .
فدلّ الفعل المضارع
تَجْهَلُونَ
الّذي يفيد معنى التكرار والتّجدّد ، على أنّهم يضيفون إلى ممارساتهم قبيحتهم الشّاذّة غليانا غضبيّا ضدّ من ينكر عليهم ، ويضيفون أيضا جفاء وتسافها وشتائم يوجّهونها له ، أو يوجّهونها لمن يحبّون أن يمارسوا فاحشتهم معه ، وهو يأبى لأنّه لم يعتدها وليس من أهلها ، فيغتصبونه بالقوّة اغتصابا جماعيّا ، فهم بهذا يجهلون بتكرار آنا فآنا ، وتتفاقم الجهالات الصادرات عنهم شدّة وعنفا .
وعلى هذا المعنى قال الشاعر العربيّ :
ألا لا يجهلن أحد علينا * فنجهل فوق جهل الجاهلين
وبهذا ظهر لنا أنّ لوطا عليه السلام قال لقومه في المرحلة الأولى :
بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عادُونَ
( 166 ) وهو ما جاء في سورة ( الشعراء ) .
وقال لهم في المرحلة الثانية :
بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ
( 81 ) كما جاء في سورة ( الأعراف ) .