وقد جاء هذا الأمر الثاني مرتّبا ب ( الفاء ) أيضا على أنّه رسول أمين .
وفي المقالة الثالثة :
وَما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ
( 164 ) .
فأبان لقومه بهذه المقالة أنّه غير ذي مصلحة شخصيّة عندهم من دعوته ومجاهدته لهم ، وهذه المصلحة تكون بمثابة الأجر الذي يأخذه أو يستحقّه من يقوم بخدمة لغيره ، إنّما يرجو أجره عند اللّه الّذي أرسله وكلّفه أن يقوم بوظائف رسالته في قومه .
من سورة ( الشعراء ) :
أَ تَأْتُونَ الذُّكْرانَ مِنَ الْعالَمِينَ ( 165 ) وَتَذَرُونَ ما خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْواجِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عادُونَ
( 166 ) .
اشتملت هاتان الآيتان على بيان المقالة الرابعة التي قالها لوط لقومه في أوائل دعوته لقومه .
كلمة « الذكران » أخفّ من كلمة « الرجال » لأنّها قد تحمل على الغلمان ، وفيها دلالة على أنّ هذا التأنيب الذي جاء في هاتين الآيتين ، قد كان في المرحلة الأولى من تلويمه لهم على هذه الشنيعة ، من أفعالهم الشائعة في مجتمعهم .
والاستفهام في :
أَ تَأْتُونَ الذُّكْرانَ مِنَ الْعالَمِينَ
( 165 ) استفهام خرج عن أصل دلالته الّتي هي طلب الفهم ، إلى معنى الإنكار عليهم وتلويمهم وتأنيبهم على ممارسة هذه الفاحشة بوقاحة .
والمعنى : أتأتون الذّكران من النّاس في أدبارهم حيث القذارات ، وتذرون مكان الطهارة والنقاء الّذي خلقه لكم ربّكم في فروج أزواجكم من النساء .
وتدلّ عبارة :
بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عادُونَ
( 166 ) على أنّهم ردّوا عليه قائلين :