تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 220

مساهمون:

ص٢٢٠
ما أشتّ القوم ، أي : فرّقهم . والشّتات : التفرّق . ويقال : انطلق القوم شتات شتات ، أي : متفرّقين . أبان هذا النّصّ أنّ النّاس حين يصدرون مبعوثين من أجداثهم ، فإنّهم يصدرون متفرّقين ، وبعد ذلك يوجّهون لمواقع محاكماتهم ، في محكمة الفضل والعدل الرّبّانية ، الّتي تعرض عليهم فيها أعمالهم الّتي كانوا قد عملوها في الدنيا ، فيرونها ، بالصّورة والصّوت والنّيّات ، وأحاديث النفوس وخواطرها ، وأعمال القلوب . فما من عمل صغير أو كبير كانوا قد عملوه في الدّنيا ، إلّا يعرض عليهم ، فيشاهدونه عند محاكماتهم طبق ما عملوه ظاهرا وباطنا ، فيدخل ضمن ما يشاهدونه الإيمان والكفر والنّفاق ، والإخلاص والرّياء ، والحبّ والبغض ، والرّضا والسّخط ، والحقد والحسد وإرادة الشرّ والضرّ ، والعواطف والإرادات والانفعالات . لكنّ المحاسبة إنّما تكون على الأعمال الإراديّة الظاهرة والباطنة . وهذه الرّؤية الّتي يرون بها ما أسلفوا من أعمال في الحياة الدنيا ، تكون مقدّمة للمحاسبة ، وفصل القضاء ، ثم يكون تحقيق الجزاء . بعد إصدار الأحكام الرّبانيّة المتعلقة بمحكمة الفضل والعدل . وقد أضاف هذا النصّ قضيّة رؤية الأعمال ، وقد كان بيان هذا الأمر مستغربا قبل المكتشفات الّتي توصّل إليها الإنسان ، لكن هذه المكتشفات الحديثة قد سهّلت علينا إدراك كيف تكون رؤية الأعمال الظاهرة والباطنة يوم الدين . فمن يعمل في الدنيا مقدار وزن ذرّة من عمل إراديّ من أعمال الخير ، فما فوق الذّرة يره يوم الدّين ، في موقف الحساب ، وفصل القضاء ، فيكون حجّة له .
معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 220 | عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني