تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 156

مساهمون:

ص١٥٦
ومعلوم أنّ الإفراغ من لوازم ما يوضع في الأواني . والغرض الدّلالة على أن يمدّهم اللّه بصبر كثير يشبه إفراغ جميع ما في الإناء دفعة واحدة . ويدلّ التنكير في
صَبْراً
على التكثير . ( 6 ) قول اللّه عزّ وجل :
وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الْأَلْواحَ . . .
( 154 ) . في هذه العبارة استعارة بديعة قائمة على تشبيه حركة الغضب في النفس ، بثائر ذي مطالب يطالب بها ، ويصيح ملحّا في طلبها . ومن آثار هذه المطالب الغضبيّة توجيه التلويم والتثريب وعبارات التذمّر ، وتحرّك الجملة العصبية للانتقام . وتشبيه هدوء الثورة الغضبيّة في النفس بالسّكوت عن المطالب ، ولو مؤقّتا . فكان هدوء الغضب بمثابة سكوته ، وهذه من الاستعارات البديعة الّتي تصوّر فيها الحركات النفسيّة الداخليّة بأمثلة تدرك بالحسّ الظاهر . ( 7 ) قول اللّه عزّ وجلّ :
وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا فَانْسَلَخَ مِنْها فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطانُ فَكانَ مِنَ الْغاوِينَ
( 175 ) . استعير في هذا النصّ فعل « انسلخ » للدّلالة على معنى التّخلّي عن الإيمان ، أو العمل بآيات اللّه المنزّلات . وهذه الاستعارة قائمة على تشبيه الذين أوتوا آيات اللّه ، فآمنوا ، واحتموا بالعمل بها ، حتّى صارت مثل جلودهم المحيطة بأجسادهم ، ثمّ لمّا