فَتُوبُوا إِلى بارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بارِئِكُمْ فَتابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ .
( 54 )
هذا البيان تابع في سورة ( البقرة ) لخطاب بني إسرائيل ، بعد بعثة محمّد صلى اللّه عليه وسلم ، ونزول القرآن عليه .
وقد أخّر هذا البيان إلى العهد المدنيّ ، وأنزل في أوّل سورة مدنية ، لوجود اليهود يومئذ في المدينة ، ودعوتهم إلى دين الإسلام ، والإيمان بمحمّد صلى اللّه عليه وسلم وبما أنزل اللّه عليه ، ولبدء احتكاك الرسول والمؤمنين بهم في المدينة .
والمعنى : واذكروا يا بني إسرائيل نعمة اللّه عليكم ، إذ عفا عن أسلافكم في اتّخاذهم العجل ، بعد أن ألزمهم بإقامة حدّ القتل على من كان قد أشرك منهم ، باتّخاذ العجل وعبادته .
يا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخاذِكُمُ الْعِجْلَ :
أي : عرّضتّم أنفسكم لعقاب اللّه الشّديد المرتّب على الشّرك به ، وفي هذا دلالة على أنّهم لم يضرّوا اللّه بشركهم شيئا ، لأنّ اللّه جلّ جلاله وعظم سلطانه لا يضرّه كفر الكافرين به ، ولا معصية العصاة المجرمين ، كما لا ينفعه إيمان المؤمنين به ، ولا طاعة المطيعين المسلمين ، إنّما هي أعمال الناس يحصيها اللّه لهم ، ثمّ يوفّيهم جزاءها ، فمن وجد خيرا فليحمد اللّه ، ومن وجد غير ذلك فلا يلومنّ إلّا نفسه .
فَتُوبُوا إِلى بارِئِكُمْ :
أي : فتوبوا من ذنبكم العظيم الّذي ارتكبتموه .
وهذه التوبة تكون بأن يعترفوا بالإثم العظيم الذي اقترفوه ، وبأن يسألوا ربّهم أن يغفر لهم ، وبأن يعزموا على عدم العودة إلى مثله ، وبأن يرجعوا إلى طاعة بارئهم .
البارئ : هو الخالق الّذي يخلق لا على مثال سبق . قيل : ويختصّ