وبدهيّ أن مشيئة اللّه لا تفارق حكمته ، فهو لا يحكم لمن كان ضالا بالهداية ، ولا يحكم على من كان مهتديا بالضلالة .
فكلّ من فعلي :
تُضِلُّ
و
وَتَهْدِي
مستعمل هنا بمعنى تقضي وتحكم ، بالضّلالة ، أو بالهداية ، وهذا أحد المعاني الّتي يستعمل فيها إسناد الأفعال إلى الفاعل أو إلى المفعول به .
والمعنى : تنسب إلى الضّالّ الضّلال ، وتنسب إلى المهتدي الهداية .
وبعد الحكم الرّبّانيّ يأتي الجزاء الملائم له ، وبهذا تظهر ثمرة الامتحان وغايته .
ولمّا أعلن موسى عليه السّلام استسلامه لحكم ربّه في بني إسرائيل وما يستتبع حكمه من جزاء ، لجأ إلى ربّه داعيا قائلا :
*
. . . أَنْتَ وَلِيُّنا فَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغافِرِينَ
( 155 ) :
أَنْتَ وَلِيُّنا :
أي : أنت ربّنا وسيّدنا والمنعم علينا والمالك لنا ، والمتولّي لكلّ أمورنا ، وفي هذا تفويض كامل للّه عزّ وجلّ .
فَاغْفِرْ لَنا :
بعد إعلان الاستسلام الكامل لحكم اللّه ، وتفويض الأمر كلّه إليه سأل موسى ربّه أن يغفر له ولقومه ، فدعا دعاء عامّا بالمغفرة لنفسه ولقومه .
المغفرة : ستر الذّنب ، وفي طلب ستر الذّنب معنى التجاوز عن المحاسبة والجزاء عليه ، فكأنّ الذّنوب غير منظور إليها في المحاسبة والجزاء ، وأتبع فدعا بالرّحمة ، فقال :
وَارْحَمْنا :
الرّحمة صفة نفسيّة من آثارها المغفرة والعفو والصّفح والإكرام والجود ، وكلّ العطاءات التي تمنح السعادات .
وفي الدّعاء بالرّحمة بعد الدّعاء بالمغفرة تعميم بعد تخصيص ، أي :
وزدنا بعد المغفرة من عطايا رحمتك الواسعة .