*
رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ :
أي : لو أنّك شئت إهلاكهم على تقصيرهم في الأخذ على أيدي سفهاء بني إسرائيل ، لكنت أهلكتهم قبل مجيئهم معتذرين تائبين مستغفرين شافعين للّذين أجرموا ، دون أن تجعل لنا ميقاتا لتقديم هذه التّضرّعات ، ولكنت أهلكتني معهم ، لأنّني عجلت في الميقات السّابق فلم أصحب قومي معي ، واكتفيت بتكليفهم أن يأتوا ورائي بقيادة أخي هارون ، فعصوه .
هذه المعاني نفهمها من مثاني القول .
*
أَ تُهْلِكُنا بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ مِنَّا ؟ !
وخلال دعائه أدرك موسى عليه السّلام أنّ تقصير صفوة قومه ، وتعجّله ، لا يقتضيان بحسب سنّة اللّه عزّ وجلّ في الجزاء إهلاكهم ، فقال داعيا :
أَ تُهْلِكُنا بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ مِنَّا ؟ !
أي : أتهلكنا بسبب ما فعل السّفهاء منّا ، الّذين يستحقّون الإهلاك لأنّهم أشركوا ، مع كلّ آيات التّوحيد العظمى الّتي شهدوها ، نظرا إلى أنّهم الجمهور الأعظم منّا ، فهذا العرق البشريّ لا يستحقّ البقاء في الحياة الدنيا ، لكثرة السّفهاء الضّالّين فيه .
استفهام فيه معنى التفجّع ، وهو مبنيّ على ظنّ ضعيف سبق إلى ذهنه ، فرأى فيه أنّ هذه الرّجفة رجفة إهلاك .
لقد كان موسى عليه السّلام معذورا في تصوّراته ، بسبب هول المفاجأة الّتي شهدها بالرّجفة .
ولكن سرعان ما أدرك عليه السّلام أنّ الحياة الدّنيا كلّها حياة امتحان للعباد ، فما جرى لقومه ، وما جرى منهم من صنع العجل وخواره ، وعبادة جمهور بني إسرائيل السّفهاء له ، هو مظهر من مظاهر هذا الامتحان ، فقال في دعائه لربّه :
إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ . . .
( 155 ) :